في عالم يتسم بالارتباطات المعقدة، كشف بحث علمي حديث عن سلوكيات فريدة في عالم الحشرات، تحديدًا لدى صرصور الخشب “سالغانيا تايوانينسيس”، حيث يتجاوز الأمر مجرد التزاوج ليبلغ مستويات من “الولاء” والروابط الاجتماعية الحصرية. تشير دراسة نُشرت في مجلة “رويال سوسايتي أوبن ساينس” إلى أن هذه الصراصير، على بساطة آلياتها السلوكية، تُظهر قدرة على تكوين ارتباطات ثنائية قوية، وهو ما يتنافى مع الاعتقاد الشائع بأن هذه الظاهرة تقتصر على الكائنات ذات العمود الفقري.
يبدأ هذا الارتباط المثير للاهتمام بقضمة متبادلة من لحم بعضهما البعض، وهو سلوك يتجسد في “أكل الأجنحة” المتبادل، يتبعه قدر كبير من العدوانية تجاه الأفراد الآخرين. يُرجح أن هذا التكيف الفريد ظهر لضمان بقاء الشريك إلى جانب الآخر، مما يعزز فرص البقاء والتكاثر في بيئته.
التضحية بالأجنحة كدليل على الارتباط
يعيش صرصور الخشب “سالغانيا تايوانينسيس” لفترات طويلة تصل إلى خمس سنوات، ويتميز بتكوين أزواج أحادية الارتباط تدوم مدى الحياة، وهي سمة غير شائعة بين الحشرات. ويُعد فقدان القدرة على الطيران نتيجة لـ “أكل الأجنحة” المتبادل، التي تحدث فور التزاوج وقبل تأسيس العش المشترك، بمثابة تضحية كبيرة.
وتقول هاروكا أوساكي، عالمة السلوكيات البيئية في متحف الطبيعة والأنشطة الإنسانية بهيوغو في اليابان والمشاركة في الدراسة، إن هذا السلوك “يحدث بعد الاقتران مباشرة، وقبل أن يشرع الزوجان في تأسيس عش مشترك، ويعتنين بصغارهما، ويعيشان معًا لبقية حياتهما.”
قد يخدم فقدان الأجنحة هدفًا عمليًا، حيث يمكن أن تعلق في الأعشاش التي تبنيها داخل جذوع الأخشاب المتعفنة، كما أن فقدانها يجعل هذه الصراصير أكثر رشاقة وقدرة على المناورة داخل المساحات الضيقة لموطنها.
يعتقد الباحثون أن الروابط الزوجية التي تنشأ من هذا السلوك تساعد في بقاء هذه الصراصير، وتعزز طبيعتها الأحادية، وتزيد من فعاليتها في التعاون لتربية الصغار، مما ينعكس إيجابًا على أعداد النسل.
تُرجح أوساكي أن هذا السلوك “لا يهدف أساسًا إلى التغذية، بل تشير الفرضية الرئيسية إلى أنه قد يعمل كمحفز داخلي يطلق تغيرات سلوكية واجتماعية لدى الأفراد.” ويفيد هذا الارتباط في فوائد متعددة مثل التنظيف المتبادل، والدفاع المشترك عن العش والصغار، وتقاسم الموارد، وزيادة فرص النجاح التكاثري، وقد يعود بنتائج إيجابية حتى غياب النسل.
علاوة على ذلك، قد تساعد التضحية بالأجنحة في التخلص من الطفيليات أو العفن الذي يصيبها، مما يحمي الصغار من انتقال هذه الكائنات الضارة. كما أن المواد الكيميائية المنبعثة أثناء عملية قضم الأجنحة قد تمنح كل شريك القدرة على التعرف على “بصمة” الآخر.
على المدى الطويل، يعود هذا السلوك بالنفع على النوع، فبمجرد فقدان الأجنحة، تفقد الصراصير قدرتها على الطيران، مما يحد من قدرتها على الهروب من المفترسات أو البحث عن مصادر غذائية بعيدة. هذا يجعل أي محاولة للانفصال عن الشريك صعبة للغاية.
اختبار قوة الروابط الزوجية طويلة الأمد
لقياس مدى تأثير قوة الارتباط على سلوك الأزواج، قام الباحثون برصد ردود فعل الأزواج تجاه إدخال فرد غريب إلى عشها. ومن خلال مقارنة سلوك الأفراد قبل وبعد عملية “أكل الأجنحة”، تمكنوا من اختبار ما إذا كان هذا السلوك يغير طريقة تعرف الأفراد على الآخرين وكيفية تفاعلهم معهم.
أظهرت النتائج أن الأزواج التي شاركت في سلوك “أكل الأجنحة” أصبحت أكثر عدوانية تجاه الأفراد الدخلاء، وتصرفت كوحدة متماسكة، حيث اندفعوا معًا نحو المتسللين. لوحظ أنهم يعاملون شركاءهم بطريقة مختلفة بشكل ملحوظ عن تعاملهم مع الأفراد الآخرين.
وفقًا للنتائج، لم يعد الذكور والإناث المرتبطون يتسامحون إلا مع بعضهم البعض، حتى أنهم هاجموا حشرات من الجنس الآخر كانت قد تُعتبر شركاء محتملين في وقت سابق. وإذا بادر أحد الشريكين بالهجوم، كان الآخر يدعمه على الفور.
في المقابل، قبل عملية “أكل الأجنحة”، لم تُظهر الأزواج سلوكًا مميزًا تجاه شركائها، وكانت أكثر تسامحًا مع الأفراد الآخرين. في إحدى التجارب، بادر ذكر واحد فقط بالهجوم على ذكر دخيل من بين ثمانية أزواج. أما بعد “أكل الأجنحة”، فقد أصبح الزوجان أشبه بـ “ضد العالم”.
لم يُسجل أي تزاوج بين الحشرات عديمة الأجنحة والأفراد الدخلاء، ولم يحدث تبديل للشركاء خلال فترة التجربة. ورغم أن سلوك هذه الحشرات قد يتغير في غياب الشريك، إلا أن هذا الجانب لم يُختبر بعد.
ومع ذلك، يُعد هذا السلوك، الذي يتطلب قدرات إدراكية للتعرف على الشريك وتذكره، دليلًا قويًا على وجود رابطة شبيهة بالارتباط الزوجي لدى الحشرات. هذه الصراصير لا تكتفي بتربية الصغار معًا لسنوات طويلة، بل تتمسك ببعضها البعض بشكل نشط.
يرى الباحثون أنهم ربما رصدوا أول دليل تجريبي على وجود عدوانية انتقائية لدى كائن لافقاري قادر على التمييز بوضوح بين شريكه وبقية البالغين من نفس النوع. يشير هذا إلى أن هذه الصراصير، وربما حشرات أخرى، تمتلك قدرات إدراكية وسلوكيات اجتماعية أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.


