تتجه الأنظار بقلق نحو التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، حيث يخشى الخبراء من سيناريو وقوع كارثة نووية ثالثة، لتضاف إلى ذاكرة هيروشيما وناغازاكي وتشرنوبيل. وتتمثل أبرز المخاوف في احتمال استهداف منشآت نووية عسكرية أو مدنية، مما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تفوق حوادث المفاعلات السابقة. ويشير خبراء إلى أن المناوشات النووية بين إيران وإسرائيل، وإن كانت لم تصل حتى الآن إلى استهداف مباشر لقلب المفاعلات، إلا أنها تثير قلقاً بالغاً بشأن تطورها المحتمل.

تاريخياً، شهد العالم حوادث استهدفت منشآت نووية، لكنها عادة ما كانت قبل التشغيل أو لم تكن استراتيجية. ومع ذلك، يؤكد الدكتور علي عبده، أستاذ الفيزياء النووية ومدير قسم الفيزياء النووية بإحدى شركات الطاقة الأمريكية، أن المخاوف تتزايد من وصول الأعمال العسكرية إلى قلب المفاعلات أو أجزائها الحيوية. ويشرح الدكتور عبده أن مفاعلات الطاقة الحديثة، مثل مفاعل بوشهر الإيراني أو مفاعل ديمونة الإسرائيلي، مصممة لتحمل صدمات قوية، لكن استخدام أسلحة خارقة للتحصينات قد يشكل تهديداً حقيقياً.

فارق بين انفجار المفاعل والقنبلة النووية

يختلف الانفجار النووي الناتج عن قنبلة عن الحادثة المحتملة في مفاعل نووي. فالانفجار النووي هو تفاعل سريع يولد طاقة هائلة و”كرة نار” تصل حرارتها إلى ملايين الدرجات المئوية، مما يؤدي إلى تبخير كل شيء في محيطها. كما تنتج عن الانفجار موجات ضغط مدمرة، وتلوث إشعاعي فوري وطويل الأمد ينتشر عبر الرياح لمسافات شاسعة.

في المقابل، فإن استهداف مفاعل نووي، حتى لو نجح، لا يؤدي بالضرورة إلى سيناريو مشابه لهيروشيما وناغازاكي. بدلاً من ذلك، فإن الكارثة المحتملة قد تكون أقرب إلى سيناريو تشرنوبيل، وإن كان حجم الكارثة وتأثيرها يعتمد على عدة عوامل. ويؤكد الدكتور علي عبده أن الاعتقاد بأن استهداف مفاعل نووي يعادل إلقاء قنبلة نووية هو خطأ شائع.

خطأ بشري أو كارثة طبيعية

تعتمد حوادث المفاعلات النووية، مثلما حدث في تشرنوبيل وفوكوشيما، على خلل في أنظمة التبريد، سواء بسبب خطأ بشري أو كارثة طبيعية. في تشرنوبيل، أدى تولد غاز الهيدروجين إلى انفجار قلب المفاعل وانتشار المواد المشعة، بينما في فوكوشيما، تسبب زلزال وتسونامي في خلل تبريد أدى إلى انصهار الوقود وتسرب إشعاعي.

ويوضح الدكتور عبده أن مفاعلات الجيل القديم، مثل مفاعل تشرنوبل، كانت تفتقر إلى طبقات الحماية المتطورة، مما زاد من خطورة الحادث. أما المفاعلات الحديثة، فتتمتع بطبقات حماية متعددة، تبدأ بـ “الحاوية الواقية” الخارجية المصنوعة من الخرسانة المسلحة والفولاذ، وصولاً إلى المبنى الداخلي الذي يحيط بقلب المفاعل.

تحتوي هذه الطبقات على أنظمة أمان متطورة، حيث يعمل المبرد على منع ارتفاع درجة حرارة الوقود، وتوقف قضبان التحكم التفاعل النووي فوراً عند أي خلل. ويعتبر قلب المفاعل، الذي يحتوي على قضبان الوقود المشع، هو الجزء الأكثر حساسية والأهم في المفاعل.

سلاح القنابل الخارقة للتحصينات

في حال تمكن سلاح خارق للتحصينات من اختراق طبقات الحماية هذه والوصول إلى قلب المفاعل، فإن ذلك يمثل السيناريو الأسوأ. هذه الأسلحة، مثل قنبلة “GBU-57” الأمريكية، مصممة لضرب الأهداف العميقة والمحصنة تحت الأرض، ويمكنها اختراق عدة أمتار من الخرسانة المسلحة.

ويشير الدكتور عبده إلى أن تقييم الخطر يعتمد بشكل كبير على نوع السلاح والغرض منه، والموقع المستهدف داخل المفاعل. الاستهداف التقليدي، كما حدث قرب بوشهر، قد لا يشكل خطورة كبيرة، لكن استهداف قلب المفاعل بـ “قنابل خارقة للتحصينات” يفتح الباب لكارثة بيئية.

حتى في حال استهداف أجزاء أقل خطورة، مثل أنظمة الدعم أو التبريد، قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع حرارة الوقود النووي، مما قد ينتج عنه انفجار بخاري وتسرب إشعاعي، على غرار ما حدث في فوكوشيما. كما أن استهداف مستودعات الوقود المستهلك، وهي مواد مشعة للغاية ومخزنة في أحواض تبريد، يمكن أن يتسبب في تبخر المياه وإطلاق الإشعاع.

في حال تحقق السيناريو الأسوأ، فإن الغبار الإشعاعي سيكون له تأثير مباشر على منطقة المفاعلات وما حولها. ويعتمد انتشار هذا الخطر إلى مسافات أبعد على اتجاه الرياح وقت وقوع الحادث، وقدرتها على حمل المواد المشعة، بالإضافة إلى دور الأمطار في ترسب هذه المواد على الأرض. وتستمر احتمالات التحذير والترقب مع استمرار التوترات في المنطقة.

شاركها.
Exit mobile version