في تطور علمي قد يعيد تشكيل فهمنا لأكثر الأجرام غموضًا في الكون، تثير دراسة حديثة تساؤلات حول طبيعة الجسم الهائل في مركز مجرتنا، درب التبانة. فبينما يعتقد العلماء على نطاق واسع أنه ثقب أسود فائق الكتلة، يقترح بحث جديد أن ما نراه قد يكون بنية مختلفة تمامًا، وهي “نواة مظلمة فائقة الكثافة”.

في عام 2022، نشر تعاون “تلسكوب أفق الحدث” (Event Horizon Telescope) صورة تاريخية لظل “الرامي إيه ستار” (Sagittarius A*)، ما اعتبر دليلًا قويًا على وجود ثقب أسود هائل تبلغ كتلته نحو 4.6 مليون ضعف كتلة الشمس. إلا أن هذه الدراسة، المنشورة في أواخر فبراير 2026، تعيد فتح النقاش حول تفسير هذه الملاحظات.

نواة مظلمة فائقة الكثافة

تستند الفرضية المبتكرة إلى أن الجسم المركزي قد يكون عبارة عن تجمع هائل من جسيمات الفيرميونات الافتراضية للمادة المظلمة. ورغم أن هذه الجسيمات افتراضية، فإن تراكمها بكثافة شديدة يمكن أن يولد مجالًا جاذبيًا قويًا يحاكي تأثير الثقب الأسود.

المثير للاهتمام أن هذا النموذج الجديد لا يقتصر على تفسير الكتلة المرصودة وحركة النجوم القريبة فحسب، بل يمكنه أيضًا توليد “ظل” مشابه للصورة الشهيرة التي التقطها تلسكوب أفق الحدث. فالصورة في الواقع لا تظهر الثقب الأسود نفسه، بل هي انعكاس لانحناء الضوء حوله، وهو ما قد يحدث بنفس الطريقة حول نواة مظلمة كثيفة.

نجوم تتحدى سرعة الضوء

يعتبر وجود “نجوم إس” (S-stars)، وهي نجوم تدور حول مركز المجرة بسرعات تقارب 10% من سرعة الضوء، من أقوى الأدلة على وجود ثقب أسود. وتشير هذه السرعات العالية إلى وجود كتلة ضخمة مضغوطة في حجم صغير جدًا. ومع ذلك، ترى الدراسة الجديدة أن نواة المادة المظلمة فائقة الكثافة يمكن أن تفسر هذه المدارات السريعة دون الحاجة لوجود أفق حدث حقيقي، وهو ما يتنافى مع التعريف الكلاسيكي للثقب الأسود.

إعادة التفكير في بنية المجرة

لا تتوقف تداعيات هذه الفرضية عند المركز، بل تمتد لتشمل فهمنا لبنية المجرة بأكملها. في النموذج التقليدي، يُفترض وجود ثقب أسود مركزي منفصل عن هالة المادة المظلمة المحيطة به. أما في الطرح الجديد، فيُمكن أن يكون الجسم المركزي الهالة والمادة المظلمة جزءًا من نظام واحد متصل.

وتشير بيانات “غايا” (Gaia) الأخيرة، التي توفر خريطة ثلاثية الأبعاد لمجرة درب التبانة، إلى تباطؤ ملحوظ في سرعات النجوم عند حواف المجرة، وهو ما يتوافق مع سلوك معين للجاذبية. ويرى باحثو هذه الدراسة أن هذا السلوك قد يكون أكثر انسجامًا مع التوزيع الفيرموني للمادة المظلمة مقارنة بنموذج المادة المظلمة الباردة التقليدي.

الاختبار الفاصل.. حلقة الفوتون

يبقى الاختبار الحاسم في هذا الجدل هو ظاهرة “حلقة الفوتون”، وهي مسار ضوئي دائري يمكن أن يتشكل حول جسم فائق الجاذبية. في حالة الثقب الأسود، ترتبط هذه الحلقة ارتباطًا وثيقًا بوجود أفق الحدث وتتميز ببصمة هندسية محددة وفقًا لنظرية النسبية العامة. في المقابل، لا يتوقع نموذج النواة المظلمة ظهور حلقة فوتون مطابقة تمامًا لتلك الخاصة بالثقب الأسود.

لذلك، ستكون الأرصاد المستقبلية عالية الدقة، سواء عبر تحسينات تلسكوب أفق الحدث أو باستخدام تلسكوبات أخرى متقدمة، حاسمة. يمكن لهذه القياسات الدقيقة أن تكشف عن فروقات طفيفة قادرة على حسم الجدل بين النظريتين.

بين الظل والحقيقة

حتى الآن، لا توجد بيانات كافية للفصل بشكل قاطع بين النموذجين. فالصورة الشهيرة تثبت وجود مجال جاذبي هائل في مركز المجرة، لكنها لا تؤكد وجود أفق حدث بشكل مباشر. يكمن جوهر النقاش العلمي في هذا التساؤل: هل نرى ثقبًا أسود بالفعل، أم جاذبية شديدة تخفي وراءها بنية أكثر تعقيدًا؟

إذا ثبت أن مركز المجرة عبارة عن نواة مظلمة فائقة الكثافة، فسيعني ذلك إعادة تصور لدور المادة المظلمة في تشكيل المجرات، حيث يتكامل الجسم المركزي مع هالة المجرة. أما إذا أكدت القياسات المستقبلية وجود حلقة فوتون تتفق مع تنبؤات النسبية العامة، فسيظل الثقب الأسود هو التفسير الأرجح.

شاركها.
Exit mobile version