باريس – يمثل الأديب التونسي المقيم في باريس، أبو بكر العيادي، علامة فارقة في المشهد الثقافي العربي، حيث تتداخل تجاربه المتنوعة بين الكتابة والترجمة، وتتجاوز أعماله حدود الأجناس الأدبية، ليقدم رؤية عميقة للإنسان والعالم. تجاوزت أعماله المائة، وتتميز بمشروع فكري إبداعي متسق يدافع عن إنسانية الإنسان ويطرح أسئلة الحرية والفكر والانفتاح على الآخر.
في حوار حصري، يكشف العيادي عن محطات مفصلية في مسيرته، بدءًا من ترجمته لأعمال تيسون التي يعتبر فيها الرحلة فعل ترميم للذات، مرورًا بنقده لخطاب الاستشراق، وصولًا إلى تأملاته في الثورة التونسية، وما أنتجه من روايات وأعمال فكرية. تعكس أعماله، التي حازت على جوائز مرموقة، رحلة معرفية وفكرية ثرية، جعلته صوتًا مؤثرًا في الثقافة المعاصرة.
“على الدروب السوداء”.. ترميم الجسد والروح
يشرح أبو بكر العيادي مفهوم أدب الرحلة، مستشهدًا بترجمته لكتاب “على الدروب السوداء” للكاتب سيلفان تيسون. يرى العيادي أن الرحلة في هذا السياق ليست مجرد عبور جغرافي، بل هي “مسار لترميم الذات”، وهي محاولة لإعادة بناء الوجود بعد الانكسار الذي قد يتعرض له الإنسان. هذه الرحلة، بالنسبة لتيسون، تمثل نذرًا شخصيًا بعد حادث كاد أن يودي بحياته، حيث عاهد نفسه على عبور فرنسا مشيًا على عكازين.
تصبح الرحلة في هذه الحالة فعلًا لترميم جسد محطم، محاولة لمقاومة قوانين الجسد التي قد تحد من تطلعات الذهن. يؤكد العيادي أن “طريق الرّحالة خير من غايته”، مشيرًا إلى أن قيمة التجربة تكمن في مسارها وجوهرها، وليس فقط في الوصول إلى الهدف. هذه الرؤية تعكس كيفية تحويل المعاناة الجسدية إلى لغة أدبية، وهو تحدٍ واجهه العيادي كمترجم في نقل هذه التجربة بكثافتها الأصلية.
المستعرب الغربي ومأزق الوعي العربي
في سياق آخر، يتناول العيادي مفهوم “المستعرب” من خلال ترجمته لكتاب “مسار مستعرب” لأندريه ميكيل. يوضح العيادي أن ميكيل يرفض وصفه بالمستشرق، مفضلاً عليه صفة “المستعرب” الذي عشق اللغة العربية وآدابها منذ شبابه. يرى العيادي أن هذا الكتاب يفتح نقاشًا أعمق حول العلاقة المعقدة بين الغرب والعالم العربي، ويقدم نظرة خارجية على الثقافة العربية من الداخل، تكشف عن تقدير عميق وتفهم لتراثها.
يتطرق الحوار إلى العلاقة المعقدة بين الاستشراق والعالم العربي، حيث يقر العيادي بأن الاستشراق، على الرغم من دوره في إحياء التراث الإسلامي، لديه طبيعة بنيوية تتقاطع فيها المعرفة بالسياسة والأيديولوجيا. ومع ذلك، يشير إلى أن العمل الترجمي يهدف إلى تقريب وجهات النظر، بينما يسعى عمله الفكري إلى نقد النظرة الاستعلائية التي لا تزال قائمة. يؤكد العيادي على ضرورة أن “ننتج وعينا بذاتنا” بدلاً من الانشغال بكيفية رؤية الغرب لنا، وأن نحرر العقل من قيود الأرثوذكسية.
لعنة الغزارة
تتميز مسيرة أبو بكر العيادي بغزارة إنتاجه وتنوعه بين الترجمة والإبداع والكتابة الفكرية. في روايته الجديدة “أوتونوموس”، يتناول العيادي أسئلة جوهرية حول الحرية الإنسانية في مواجهة التقنية والسلطة، مستعرضًا مصائر شخصيات تعيد النظر في قناعاتها. يعتبر العيادي أن عنوان الرواية، ذي الأصل اليوناني، يعني “سيّد نفسه”، ويعكس تساؤله حول قدرة الإنسان على التمسك بمبادئه في عالم متغير.
يرد العيادي على من ينتقد غزارة إنتاجه، مؤكدًا أن أعماله تتجاوز المائة، نصفها تقريبًا ترجمات، والباقي موزع بين التعريف بالتراث العربي للقارئ الفرنسي، والمقالة الفكرية، والسرد. يشدد على حقه في اختياراته الأدبية، مشيرًا إلى حصوله على جوائز في مختلف الأجناس التي خاضها، ويستشهد بالسيوطي كمثال على الإنتاج الغزير لشخصية تركت بصمة عظيمة.
يختتم العيادي حديثه عن الخيط الخفي الذي يربط مشروعه الأدبي المتعدد، والذي يتمثل في “إعلاء القيم النبيلة، والدفاع عن إنسانية الإنسان حيثما كان”. يرى أن الترجمة إفادة، والصحافة أداة لبلوغ الحقيقة، بينما جعل الإبداع مطية لتصوير التحولات المجتمعية، ومعاناة العرب في الهجرة، وفضح الدجل السياسي.
رماد الثورة التونسية
يتناول أبو بكر العيادي الثورة التونسية، التي يعتبرها أُطفئت تمامًا ورُدمت تحت أكوام من الرماد. يرى أن ما نشهده اليوم هو تنكر لمبادئ الثورة وارتداد إلى حكم فردي مطلق، مما أدى إلى تراجع الحريات والأزمة الاقتصادية الخانقة. يحذر من أن هذا الوضع قد يشعل البلاد من جديد، “فليس أخطر من شعب لم يعد لديه ما يخسر”.
تأتي هذه التأملات كجزء من متابعته لما أفرزته الثورة، والتي تناولها في روايته “ورقات من دفتر الخوف” ومجموعة “جمر كانون”. يشير إلى ندرة المتن السردي الذي يتناول الثورة مباشرة، مفضلاً الكتابة عن مراجعة التاريخ.
تتجه الأنظار الآن إلى المشهد الثقافي العربي، وما إذا كانت القراءات المتجددة للكلاسيكيات، والترجمات القيمة، ستساهم في إثراء الحوار الثقافي وتبديد سحب الاختلاف.


