فندق إنتركونتيننتال كابل: فندق “أفضل فندق في كابل” يعكس عقودًا من التحولات في تاريخ أفغانستان
من أعلى تلة تطل على العاصمة الأفغانية، يقف فندق إنتركونتيننتال كابل شاهدًا صامتًا على نصف قرن من التحولات الدراماتيكية التي عاشتها أفغانستان. لم يكن الفندق مجرد مبنى فاخر، بل كان مرآة لآمال بلدٍ بأكمله، ثم لخيباته المتراكمة، ويعتبر مدخلاً إنسانياً لسرد تاريخ أفغانستان الحديث، مبتعداً عن البيانات العسكرية والخرائط السياسية، وقريباً من حياة الناس العاديين.
### فقاعة الحداثة في قلب كابل
افتُتح فندق إنتركونتيننتال في 9 سبتمبر/أيلول 1969، في ذروة مشروع التحديث الذي قاده الملك الراحل محمد ظاهر شاه. مولت الحكومة البريطانية المشروع بقرض بلغ 2.5 مليون جنيه إسترليني. كان الفندق إعلاناً سياسياً بقدر ما كان مشروعاً سياحياً، حيث أرادت كابل أن تقول للعالم إنها جزء من العصر الحديث، وقادرة على استضافة الدبلوماسيين ورجال الأعمال في مكان واحد. كانت كابل تُلقّب آنذاك بـ “باريس آسيا الوسطى”، وكان الفندق عالماً منفصلاً داخل بلد فقير محافظ، يقدم مشروبات كحولية وموسيقى غربية.
لكن هذه “الفقاعة الحداثية”، كما تصفها الصحفية البريطانية ليز دوسيت في كتابها “أفضل فندق في كابل: تاريخ أفغانستان من خلال عيون شعبها”، لم تصمد طويلاً.
### شاهد على العواصف
مع الانقلابات العسكرية، ثم الغزو السوفيتي، فالحرب الأهلية، تحوّل الفندق من أيقونة للرفاه إلى مبنى منهك، مسجلاً معاناة الشعب الأفغاني منذ الإطاحة بالملك الراحل. يستعيد رحمة الله نيازي، أحد الموظفين القدامى، ذكرياته قائلاً: “كنا، مع كل انقلاب، نبدّل صور القادة المعلّقة في ردهات الفندق. خلال عملي هناك، غيّرتُ صور ستة من زعماء أفغانستان”.
خلال سنوات الحرب الأهلية، تحوّل الفندق إلى مكانٍ يكابد الحرمان، لا مياه جارية، ولا نظام تدفئة يُعتمد عليه. صارت الغرف ملاجئَ اتّقاءً لصواريخ “المجاهدين السابقين”، وتحطّمت مصابيحه المهيبة، وتعرّضت طوابقه مراراً للتخريب ثم للترميم، كأن البناء نفسه كان ينهض ويسقط مع تقلبات البلاد.
### زاوية مختلفة
ما يميز كتاب دوسيت هو انحيازه الواضح للقصص الصغيرة. فهي لا تكتب عن الجنرالات بقدر ما تكتب عن عمّال الاستقبال، والطهاة، وعمال النظافة. ترى دوسيت أن فهم الحروب يبدأ من المطبخ لا من غرف العمليات.
خلال فترة عملها في أفغانستان، تمكنت دوسيت من إدراك طبيعة الشعب الأفغاني وطريقة تفكيره بعمق. كانت من بين قلة من الصحفيات اللواتي احتككن بالمجتمع الأفغاني عن قرب، وتعرّفن إلى تفاصيله الدقيقة.
تفرد الأفكار في كتابها يسعى إلى أن يرى القارئ الغربي أفغانستان بعيون أهلها، أناس يشبهون سائر البشر في سعيهم الدؤوب إلى حياة عادية كريمة، وهو ما يتعارض مع الصورة النمطية التي تروجها وسائل الإعلام الدولية عن الأفغان.
### صدمة المحافظين
بلغ التناقض ذروته عام 1971، حين استضاف الفندق عرض أزياء للمصمم الفرنسي الشهير بيير بالمان، حدثٌ فجّر موجة غضب في الصحف المحافظة، ووصفته بعض الروايات بأنه “رمز لصدمة ثقافية غير مقبولة”.
يشرح عالم الاجتماع الأفغاني خالد حكيمي أن الدولة كانت تتحرك بوتيرة أسرع من المجتمع، فكان الفندق تجسيداً حيّاً لتلك الفجوة العميقة بين نخب حضرية تحلم بالغرب، وريف محافظ يرى في هذا الحلم تهديداً مباشراً لهويته وقيمه. الدولة أخفقت في بناء جسور حقيقية بين المدينة والقرية، ما جعل الصراع بينهما يتكرر على مدى أربعة عقود.
### نكهة باريسية
في ذاكرة من روَوا لِليز دوسيت حكاية الفندق، بدا “الإنتركونتيننتال” مشروعاً فريداً، كياناً معلقاً بين واقعٍ مُثقِل بالحاضر وحلمٍ مؤجَّل يتطلع إلى الغد. شُيّد ليجسّد وعداً بمستقبلٍ مختلف.
وصل المصمم العالمي بيير بالمان، المتخصص في أزياء النساء، إلى الفندق برفقة عارضاته الفرنسيات، وقدّم عرض أزياء ذلك العام. انهالت الانتقادات الحادّة على الحدث، واستُحضرت صور العارضات بوصفها رمزاً لصدمة ثقافية غير مقبولة.
### كراهية الرمز
لاحقًا، تعرّض فندق “الإنتركونتيننتال” لهجومين نفذتهما حركة طالبان بين عامي 2011 -2018. نقلت دوسيت عن أحد عناصر الحركة تعبيره الصريح عن كرهه لهذا الفندق الفخم، الذي ظلّ لسنوات رمزاً لأفغانستان العلمانية والمنفتحة على العالم.
اليوم، علّقت طالبان لافتة جديدة عند مدخل الفندق أسفل التلة كتب عليها: “الإنتركونتيننتال للجميع”. غير أن الفندق ظلّ، على الدوام، بعيد المنال عن الجميع، ولا سيما في ظل العزلة التي زادت الفقراء فقراً.
### نصف عمر في أفغانستان
ليز دوسيت ليست صحفية عابرة في المشهد الأفغاني، بدأت تغطيتها للأحداث في أفغانستان في الثمانينيات. أفغانستان بالنسبة لها ليست قصة حرب فقط، بل قصة صمود.
مع عودة طالبان للسلطة، فقد العديد من العاملين في الفندق وظائفهم، لكنهم يؤمنون بأن “الإنتركونتيننتال” قادر على أن يعود يوماً ما أفضل فندق في كابل. دار “راندوم هاوس” احتفت بالكتاب بقولها: “ليست هذه قصة فندق، بل قصة أمة”.
يبقى فندق إنتركونتيننتال كابل شاهداً على صعود وهبوط أجيال، وعلى آمال وأحلام تحققت وأخرى تبددت، فيما تتطلع أفغانستان إلى مستقبل قد يحمل فصولاً جديدة في تاريخه.


