يُبرز كتاب “الحكاية الشعبية: نصوص ودراسات” للدكتور خالد أبو الليل، الصادر حديثًا في مجلدين، الدور الحيوي للتراث الشعبي، وخاصة الحكاية الشعبية، في تشكيل الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية للأمم. يقدم الكتاب مجموعة غنية من الحكايات الشعبية من محافظة الفيوم المصرية، إلى جانب تحليلات معمقة لتلك النصوص.

يؤكد أبو الليل على القيمة الثمينة للحكايات الشعبية كمكون أساسي للهوية الوطنية. ويشدد على أهمية الحفاظ على هذا الموروث الشفاهي قبل أن يندثر بوفاة رواة القصص.

قيمة الرواة وحماية الموروث

يلقي الكتاب الضوء على الدور المحوري للرواة الشعبيين، واصفًا إياهم بحفظة الذاكرة الشعبية والثروة التراثية. يؤكد المؤلف على ضرورة تدوين وتوثيق هذا التراث الشفاهي لحمايته من الضياع، مشيرًا إلى أن الموروث الشعبي يوازي “التراث الرسمي” في ترسيخ الهوية الثقافية للمجتمعات.

في مقدمته، يعرب أبو الليل عن امتنانه لاستمرار رواية الحكايات في القرى العربية، مشيدًا بالدول الغربية التي أدركت مبكرًا أهمية جمع وتوثيق المأثورات الشعبية قبل زوال رواتها.

تحديات التدوين وفئاته

تشير مقدمة الكتاب إلى أن الحكايات الشعبية في جوهرها نصوص شفاهية تتجلى قيمتها الإبداعية عند أدائها حيًا. يواجه الباحثون تحديات في تحويل هذه النصوص من عالم الشفاهية والأداء الحي إلى شكل مكتوب، حيث يتضمن التحويل فقدان عناصر التعبير الجسدي والتمثيل.

يقدم الكتاب تصنيفًا لأنواع الحكايات الشعبية كما حددها الرواة، وهي: الحواديت، والمثلات، والسهاري، والأحاديث.

قسم الدكتور خالد أبو الليل الحواديت إلى فئات تشمل الحواديت الاجتماعية، والتعليمية، والسياسية، والمتنوعة. كما صنف المثلات والسهاري إلى أقسام اجتماعية ودينية.

يؤكد الكتاب أن التعريف الدقيق لهذه الأنواع الأدبية يتطلب استقراءً شاملاً لنصوصها لاستخلاص خصائصها النوعية المميزة.

جذور لغوية وألوان أدبية

ينظر الكتاب إلى مصطلح “الحكاية الشعبية” ومصطلح “القصة الشعبية” كتركيبات لغوية حديثة. وتختلف “المثلات” عن “الحواديت” في طريقة بدايتها، حيث يميل راوي المثلات إلى البدء مباشرة بالقصة دون مقدمات تقليدية، وقد تتضمن بعض المثلات شعرًا.

يشير المؤلف إلى أن “السهاري” تجمع بين خصائص “الحدوتة” و”المثل”. أما “الأحاديث”، فيتم روايتها بقصد العظة، وفي بعض الأحيان لذكر معجزات الأنبياء.

كرامات الأولياء

يتناول الكتاب قصص كرامات الأولياء والقديسين، والتي تندرج ضمن حكايات المعتقدات الدينية. تؤكد فصول الكتاب على أن الطبيعة الشفاهية للحكايات الشعبية أدت إلى تنوع رواياتها، حيث تتأثر بعوامل اجتماعية ونفسية وأدائية، مما يمنح كل رواية طابعًا فريدًا.

تتيح الشفاهية للراوي مساحة إبداعية، حيث يضيف من أسلوبه ولغته وصوره وحركاته الجسدية، مما يجعل الحكاية الواحدة تبدو كعدة حكايات مختلفة. يسهم هذا الإبداع في تحقيق الرواة لأهدافهم النفسية.

يقدم الكتاب عددًا كبيرًا من الحكايات الشعبية من محافظة الفيوم، بالإضافة إلى دراسات تحليلية موسعة لأنماطها المختلفة، مما يوفر للقارئ فهمًا شاملاً للحكاية الشعبية وأنواعها.

من المتوقع أن يشجع هذا الكتاب الجديد على المزيد من الأبحاث والدراسات في مجال الحكاية الشعبية، ويسهم في جهود الحفاظ على هذا التراث الغني للأجيال القادمة.

شاركها.
Exit mobile version