بصوتٍ جهوري وحنجرةٍ ذهبية، ترك القارئ الراحل الحافظ خليل إسماعيل بصمةً لا تُمحى في عالم تلاوة القرآن الكريم، مُؤسسًا “الطريقة العراقية” في التلاوة، التي تميزت بإتقانها للمقامات والنغمات القرآنيّة. وصفه مدير مركز النعمان الدولي للدراسات القرآنية، الشيخ الدكتور ضياء عبد اللطيف المرعي، بأنه “مؤسس الطريقة العراقية في تلاوة القرآن الكريم من حيث المبدأ”، مؤكدًا أنه “يعد مرجعًا في المقامات والنغم القرآني”.

الحافظ خليل إسماعيل، الذي اشتهر بلقب “شيخ القراء العراقيين”، وُلد في بغداد عام 1920، وبرز صوته في تلاوة القرآن منذ صغره. رغم فقدانه بصره مبكرًا، لم يمنعه ذلك من حفظ القرآن الكريم وإتقان تلاوته، متتلمذًا في المدرسة العلمية الدينية حتى تخرجه عام 1943. كانت بدايته مع الإذاعة العراقية عام 1941، ليحصد بعدها لقب “الحافظ” عام 1942 بعد فوزه بالمركز الأول في مسابقة للقراء.

الحافظ خليل إسماعيل: مؤسس الطريقة العراقية في تلاوة القرآن

يُعد الحافظ خليل إسماعيل، الذي توفي عام 2000 عن عمر ناهز 80 عامًا، أيقونةً في عالم تلاوة القرآن الكريم، وخاصةً ضمن “الطريقة العراقية”. تميز بامتلاكه لحنجرة ذهبية وقدرة عجيبة على توظيف حباله الصوتية، ما مكّنه من إتقان جميع أنواع المقامات الموسيقية المتعارف عليها، بفروعها ووصلاتها، متفوقًا بذلك على العديد من القراء الآخرين، ليصبح بذلك مرجعًا لا يُعلى عليه في النغم القرآني.

شغل الحافظ خليل إسماعيل إمامة العديد من جوامع العاصمة بغداد على مدى عقود طويلة، بما في ذلك جامع السراي وجامع الإمام الأعظم “أبو حنيفة النعمان”. لم تقتصر قراءاته على المساجد، بل امتدت لتشمل المسجد النبوي والمسجد الأقصى خلال رحلته للحج في ستينيات القرن الماضي. إن إتقانه لجميع المقامات بأصولها وفروعها، إلى جانب كثرة تسجيلاته الصوتية، جعلته يستحق لقب “شيخ القراء العراقيين” عن جدارة.

ما يميز الحافظ خليل إسماعيل عن أقرانه هو الجمع النادر بين التبحر العميق في الموسيقى والمقامات، وإجادتها بدقة فائقة، مع التنقل بمرونة مذهلة بين فروعها ووصلاتها المعقدة. كان يوظف هذه المهارات لخدمة النص القرآني وتصوير معانيه بعمق، مما أكسب تلاوته طابعًا تصويريًا فريدًا. كان يمتلك مرجعية علمية عالية، ويُعتبر مرجعًا في الأداء الصحيح للقراء المعاصرين له ولمن جاء بعدهم، إضافة إلى ذاكرته النغمية القوية وإحكامه التام لمخارج الحروف وأحكام التجويد.

مميزات الطريقة العراقية في التلاوة

تُعرف “الطريقة العراقية” في تلاوة القرآن الكريم بـ”الأداء النغمي”، وتتفرد عن الطرق المصرية والشامية والحجازية بتعقيدها واتساعها. يعتبر الحافظ خليل إسماعيل مؤسس هذه المدرسة الإقرائية البغدادية التي تعتمد بشكل أساسي على النغم، وتميزت بقراءته بتطبيق 37 نغمًا في مدة لا تتجاوز الساعة الواحدة. على عكس الطرق الأخرى التي لا تتجاوز 7 مقامات رئيسية، تتميز الطريقة العراقية بوجود هذه المقامات السبعة إضافة إلى فروعها وتفاصيلها، ليصل مجموعها إلى 77 نغمًا مشتقًا، وهو ما أكده الحافظ خليل إسماعيل لتلاميذه.

وعلى الرغم من إمكانياته الهائلة، لم يمارس الحافظ خليل إسماعيل التدريس المباشر لطريقته، بل اقتصر تلاميذه على عدد قليل، منهم الدكتور ضياء عبد اللطيف. تعلم هؤلاء التلاميذ من خلال الاستفادة من أوقات فراغ الشيخ وحضوره في المجالس الخاصة، حيث تم تسجيل العديد من القراءات القيّمة التي لا تزال صدى أصواتها حاضرًا في العراق. لقد تجاوز دور الحافظ كونه قارئًا ليصبح مؤصلاً ومنظّرًا للمقام العراقي، محوّلاً الأداء من اجتهادات فردية إلى مدرسة منضبطة.

على الرغم من جمالها الأخاذ، واجهت “الطريقة العراقية” تحديات في انتشارها العالمي، أبرزها الصعوبة والتعقيد. يعتمد أداؤها على المقام الصرف، وهو علم يتطلب سنوات من الدراسة والتدريب، على عكس الطريقة المصرية التي تعتمد على التطريب السلس. كما أن هذه الطريقة مرتبطة وجدانيًا ببيئة وثقافة بعض المدن العراقية، مما يجعلها نخبوية وصعبة المحاكاة لمن هم خارج هذا النسيج الثقافي. ساهمت الحروب والحصار الاقتصادي أيضًا في الحد من انتشارها.

تبقى جهود حقيقية ومستمرة لإعادة نشر “الطريقة العراقية” وتدريسها عبر المعاهد القرآنية ومدارس المقام، بهدف الحفاظ عليها وصبغها بصيغة أكاديمية. هناك حاجة ماسة لتأسيس مدرسة خاصة بتلاوة القرآن الكريم بهذه الطريقة الفريدة، نظرًا لاتساعها وتعدد مقاماتها.

مع نهاية القرن الماضي، ترك الحافظ خليل إسماعيل إرثًا لا يُقدر بثمن، بصمته الصوتية ما زالت تتردد في قراءة القرآن الكريم والأذان عبر الإذاعات والقنوات العراقية، ليظل أيقونةً خالدةً لتلاوة القرآن الكريم بالطريقة العراقية.

شاركها.
Exit mobile version