القاهرة، مصر – 19 مارس 2026 – كرمت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) الفنان والمخرج الفلسطيني الراحل محمد بكري (1953-2025) ليكون رمز الثقافة العربية لعام 2026. يأتي هذا الاختيار، الذي أعلنته وزارة الثقافة الفلسطينية، تقديراً لإسهامات بكري البارزة في مجال الفكر والفن والأدب، ضمن الدورة الـ12 للاحتفاء برموز الثقافة العربية.

يعتبر محمد بكري أحد أبرز الفنانين العرب الذين جسدوا الواقع الفلسطيني المعقد، وحولوه إلى مادة ثرية للتأمل الفني والفكري، مع التركيز على تحولات المجتمع والثقافة والسياسة داخل فلسطين وخارجها. وقد لاقى هذا التكريم ترحيباً واسعاً من قبل المهتمين بالشأن الثقافي العربي، كونهم يرون فيه إنصافاً لأحد أهم رواد الفن الذين استخدموا أدواتهم للتعبير عن مصير الإنسان وإدانة الانتهاكات.

الفن بوصفه ضرورة

لم يكن الفن لدى محمد بكري مجرد خيار جمالي، بل كان ضرورة وجودية. فقد حولت حياته، خاصة بعد سنوات من الملاحقات القضائية إثر فيلمه “جنين جنين”، الفن إلى وسيلة للتعبير عن القضية الفلسطينية، ونافذة لتقديم جراحها للعالم. إن إصراره على استخدام السينما كمختبر بصري للكشف عن الحقائق جعل منه اسماً مزعجاً للكيان الإسرائيلي.

في مسيرة بكري، بدت الكاميرا طريقاً مفروضاً أكثر منه اختياراً فنياً. فقد ارتبطت معظم أعماله بفلسطين، وعمل على تقديم أدواره كسرديات تتحدى السلطة الإسرائيلية وتنتقدها بأسلوب فني عميق. هذا النهج التعبيري، الذي مزج بين العمق الفني والموقف الوطني، هو ما طبع تجربة بكري الفريدة في المسرح والسينما.

منذ أن واجه الجيش الإسرائيلي اتهاماته بتشويه سمعة جنوده في “جنين جنين” (2002)، أصبح موقف بكري من السينما واضحاً: إنها ليست للترفيه، بل موقف أخلاقي تجاه العالم. تكمن قيمة بكري في صدق التزامه وصلابة مواقفه وحسه الوطني، الذي كرس عقوداً منه ليصبح صوتاً فنياً أصيلاً في مواجهة الظلام.

يحمل لقب “رمز الثقافة العربية” دلالة مضاعفة هذه المرة، خصوصاً في ظل استمرار منع عرض فيلم “جنين جنين” في الأراضي المحتلة. ومع ذلك، استطاع الفيلم، بفضل المنصات الرقمية، أن يظل حاضراً في وعي الجمهور كشهادة لا يمكن محوها. وثق الفيلم أحداث مخيم جنين عام 2002، مقدماً وثيقة بصرية لأحد أقسى فصول القمع الإسرائيلي.

يعكس تكريم “الألكسو” امتداداً ثقافياً واعياً لاسم حمل شعلة الفن الوطني، ليمهد الطريق لأجيال جديدة تستمر في مسيرة المقاومة الفنية والشعبية ضد الاحتلال.

السينما كموقف أخلاقي

مثلت السينما لمحمد بكري انتصاراً للفن الملتزم، فهو لم يرها مجرد وسيلة ترفيهية، بل موقف سياسي وأخلاقي. حرص على أن تكون علاقته بالسينما علاقة موقف قبل أن تكون مهنة، وذلك بهدف خدمة قضية أسمى. لهذا السبب، قدم بكري أعمالاً فنية ذات بعد إنساني واجتماعي عميق، دون أن تغلب الخطابات السياسية المباشرة على الجانب الفني.

لقطة من فيلم جنين جنين

في أعمال مثل “حكاية الجواهر الثلاث” (1995) و”حيفا” (1996) و”واجب” (2017)، نجح بكري في تقديم أفلام تمتلك شروطاً جمالية عالية، تلتقط الواقع الفلسطيني وتحوله إلى صور راسخة في الذاكرة. هذه الأعمال الفنية تبرز قدرته على التعبير عن معضلات الواقع الفلسطيني بأسلوب سينمائي مؤثر.

في فيلم “هانا ك” (1983) للمخرج اليوناني كوستا غافراس، جسد بكري دور فلسطيني يواجه اتهامات إسرائيلية، في تجربة سردت المأزق الفلسطيني كقصة إنسانية. حقق الفيلم صدى عالمياً، وساهم في لفت الأنظار إلى القدرة على الاستماع للآخرين عبر قصة فلسطينية. ويعتبر النقاد الفيلم مثالاً للتوازن بين الشاهدة الإنسانية والخيال السينمائي.

سينما المقاومة.. جيل يتوارث الصورة

منحت السينما محمد بكري دوراً محورياً في مواجهة الاحتلال، حيث حول حياته الشخصية إلى مرآة تعكس مآزق الكيان الإسرائيلي. أدرك بكري أن فن الأداء وحده لا يكفي، فاتجه إلى الإخراج ليمنح رؤيته الصوت والصورة معاً. لقد نجح في تقديم السينما الفلسطينية على المسارح العالمية، وبناء صورة إيجابية للفنان الفلسطيني.

يساهم تكريم بكري كرمز للثقافة العربية في الاحتفاء بفنان جمع بين الحس الجمالي والالتزام الأخلاقي، وجعل من السينما منبراً لسرد الحكاية الفلسطينية بكل شجاعة وصدق.

عشق مزدوج للتمثيل والإخراج

زاوج محمد بكري بين التمثيل والإخراج، وإن طغى التمثيل على شهرته. لكن تجربته الإخراجية لم تكن عابرة، بل كانت مدفوعة برغبة قوية في إيصال الحكايات التي يعتقد أن العالم بحاجة لسماعها. من خلال أعماله، برزت “روح المقاومة” كعلامة بصرية ثابتة في السينما الفلسطينية.

بهذا التكريم، تحتفي الألكسو بمسيرة فنان جعل من السينما صوتاً للحق، وترك بصمة واضحة في تاريخ الثقافة العربية.

شاركها.
Exit mobile version