يحيى الطاهر عبد الله، أحد أبرز رواد القصة القصيرة في مصر، والذي وُلد في 30 أبريل 1938 في قرية الكرنك بالأقصر، يُحتفى به اليوم في ذكرى ميلاده الثامنة والثمانين. شكلت أسلوبه الفريد، الذي اعتمد على الشفاهية واستلهام بيئة الصعيد، علامة فارقة في الأدب العربي، تاركًا بصمة لا تُمحى في تاريخ القصة المصرية. تظل أعماله، مثل “الطوق والأسورة”، مصدر إلهام للأجيال الجديدة من الكتّاب.
تميز يحيى الطاهر عبد الله بأسلوبه المتمرد على قواعد الكتابة التقليدية، حيث كان يحفظ قصصه عن ظهر قلب ويلقيها على أصدقائه في المقاهي والمنتديات دون اللجوء إلى أوراق. هذه الظاهرة، التي يعتبرها البعض نزعة صعيدية، هي في جوهرها موقف أدبي عميق يهدف إلى إعادة ربط النص المكتوب بجذوره الأولى المتمثلة في الصوت، والجسد، والذاكرة، محاكيًا بذلك فن الراوي الشعبي الذي يبدع قصته في حضرة مستمعيه.
استعادة ما فقدته الكتابة
كان يحيى الطاهر عبد الله يدرك، بحدسه الصعيدي العميق، أن الكتابة فقدت في طريقها إلى الورق شيئًا جوهريًا، وأن استعادة هذا الجوهر لا تتم إلا باستعادة صوت الكاتب. لهذا السبب، كان يفضل الإلقاء على القراءة، والحفظ على الاستظهار، والغناء الجمالي للقصة بدلًا من طباعتها. هذه المنهجية لفتت انتباه كبار الأدباء، مثل يوسف إدريس الذي قدمه في مجلة “الكاتب”، ويحيى حقي الذي وصفه بأنه “شاب نحيل متقد، عيناه براقتان وكلامه مهتاج، لا يريد من الدنيا شيئًا سوى أن يكتب اسمه بالقصة”.
شكّلت هذه المقاربة ظاهرة أدبية فريدة في مشهد الستينيات المصري. فبينما كان جيل كامل يؤسس لقواعد الحداثة القصصية في مصر، من خلال التأمل والكتابة في عزلة، كان يحيى يأتي إلى الندوات محملاً بقصصه جاهزة للإلقاء، على غرار شعراء الجاهلية الذين كانوا يقدمون قصائدهم في الأسواق. كان يقدم أعماله مثل “محبوب الشمس” و”جبل الشاي الأخضر” و”حكاية الرجل الذي رأى عمره”، فيلقيها على مسامع الحضور بانفعال وحيوية، وكأنهم يستمعون إلى مولد نبوي أو حكواتي في مقهى الحسين.
كان أسلوب يحيى الطاهر عبد الله في الإلقاء، الذي حمل نبر الجنوب وإيقاعه، سببًا في أن قصصه كانت تصل إلى الأذن قبل العقل، مما أكسبه لقب “شاعر القصة القصيرة”.
لم يكن هذا اللقب مجرد إشارة إلى أن قصصه تشبه القصائد، بل كان يعكس طريقة كتابته وإلقائه لها من الحفظ، بالنبرة المناسبة، حيث كل كلمة تعرف موقعها في الجملة كما يعرف الشاعر مكان القافية في البيت الشعري. هذا الأداء المسرحي المتقن، الذي كان يميزه، أضفى على قصصه حيوية نادرة وجعلها تعلق في الأذهان. ومع ذلك، يطرح البعض تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المراهنة على الصوت قد تكون سببًا في تأخر تثبيت نصوصه رسميًا داخل المؤسسة الأدبية، وما إذا كانت حرارة اللحظة قد أثرت على فرصة نصه المكتوب في المراجعة والتنقيح.
استرجاع المكان
الإلقاء الشفاهي لم يكن سوى واجهة لمشروع أدبي أعمق: استرجاع المكان. كان يحيى يهدف إلى استعادة الكرنك، واستعادة الصعيد كعالم سردي مستقل، وليس مجرد خلفية إقليمية. عندما انتقل من قريته إلى قنا عام 1959، حيث التقى بأمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي، وشكّلوا الثلاثي الجنوبي الذي أثر في الأدب المصري، ثم انتقاله إلى القاهرة عام 1964، لم يكن يحيى يهاجر من جنوبه، بل كان يحمله معه.
بالنسبة له، لم تكن القاهرة مجرد وجهة ثقافية، بل منصة ليسمع منها صدى قريته. وعندما شرع في كتابة أعماله مثل “ثلاث شجيرات تثمر برتقالا” و”الدف والصندوق” و”حكايات للأمير حتى ينام”، لم يكن يكتب عن الصعيد من الخارج بمنظور أنثروبولوجي، بل كان يكتبه من الداخل، بلغته الخاصة، بأساطيره، بجميع مكوناته الحياتية. كان يبدو وكأن الكرنك يتحدث على لسانه، لا العكس.
التحول من القرى الجنوبية إلى القاهرة لم يكن هجرة، بل كان امتدادًا جغرافيًا وثقافيًا، حيث حمل يحيى الطاهر عبد الله بصمته الجنوبية في كل أعماله.
هنا يكمن الفرق الجوهري بين يحيى الطاهر عبد الله وغيره من كتّاب الجنوب. لم يكن الصعيد بالنسبة له مجرد موضوع، بل كان لغة، وشرطًا للسرد. عند قراءة قصصه، يشعر القارئ بأنه أمام عالم متكامل له قوانينه الخاصة، حيث تتجسد عناصر الطبيعة كشخصيات فاعلة، وتتحول اللغة إلى ترانيم واحتفالات، مما دفع بعض النقاد إلى وصف ما يكتبه بـ”القصة القصيدة”.
على الرغم من انغماسه الشديد في المحلية الصعيدية، لم يؤد ذلك إلى نزعة إقليمية ضيقة. بل أثمر عن كونية فريدة. كان يحيى يقرأ كافكا ويُعجب بعوالمه الكابوسية، وكان على دراية بأدب أمريكا اللاتينية في وقت مبكر. أدرك أن طريقه إلى العالمية يكمن في ترسيخ خصوصيته أمام العالم، وليس في محاكاة الكتابات العالمية. عندما تُرجمت أعماله إلى الإنجليزية والإيطالية والألمانية والبولندية، تم تقديمه ككاتب يحمل تلك السمة النادرة: التعمق في محليته لدرجة تجعل أعماله قابلة للترجمة إلى أي لغة، على غرار نجاح غارسيا ماركيز بماكوندو وفوكنر بمقاطعته الجنوبية.
الطوق والأسورة
في هذا السياق، يجب قراءة روايته الوحيدة “الطوق والأسورة”، الصادرة عام 1975. لم تكن هذه الرواية مجرد انحراف عن مشروعه القصصي، بل كانت تتويجًا له، ومحاولة لتوسيع عالمه السردي. تدور أحداث الرواية في قرية الكرنك بين الحربين العالميتين، وتحكي قصة “حزينة” مع والدتها وأخيها. لا تقتصر الرواية على سرد حكايات شخصيات، بل تتعمق في المكان، والأسطورة، والعنف الموروث.
عنوان الرواية “الطوق والأسورة” يحمل معاني رمزية عميقة. فالطوق الذي يحيط بالعنق قد يسبب الاختناق، والأسورة التي تقيد المعصم قد تسبب الذل. تختزل الرواية في عنوانها فكرتها المركزية: المرأة الجنوبية محكومة بزينة هي في حقيقتها قيد، وبجمال هو في باطنه عنف. وعندما تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي بعد رحيله، بإخراج خيري بشارة عام 1986، تأكد للقراء والمشاهدين أن ما كتبه يحيى لم يكن مجرد سردية عن قرية في الصعيد، بل عن بنية عميقة في الوجدان المصري كله، وأن الصعيد في كتاباته لم يكن استثناءً، بل كان مصر في صورتها الأكثر كثافة ووضوحًا.
ليت أسماء تعلم
ربما لهذا السبب، رثاه الشاعر أمل دنقل في قصيدته الشهيرة “الجنوبي”، موجهاً كلامه إلى أسماء، ابنة يحيى، متسائلاً إن كانت تعلم أن أباها لم يمت بل صعد، وأن الذي كان يُدعى يحيى لا يموت. هذه القصيدة، التي ضمها دنقل لاحقًا إلى ديوانه “أوراق الغرفة 8″، كانت أبلغ ما قيل في رثاء يحيى، لأنها التقطت المفارقة المأساوية: رحيله المفاجئ في حادث على طريق صحراوي قبل بلوغه الثالثة والأربعين، ونجاة ابنته الصغيرة أسماء بأعجوبة.
بصفته شاعرًا جنوبيًا، عرف أمل دنقل كيف تتسلل الأسطورة إلى المرثية. لم يكتب مجرد رثاء، بل اعترافًا بأن الراحل لم يكن إنسانًا عابرًا، بل كان جوهرًا من المكان نفسه، راوي الكرنك، وصوتها الذي تركته الأرض لتنطق نيابة عنها، قبل أن تستعيده إلى ترابها لتودع فيه أسرارها.
اليوم، بعد 88 عامًا على ميلاده، يبدو يحيى الطاهر عبد الله حضورًا أكثر من أي وقت مضى. أعماله الكاملة، التي صدرت عام 1983 وأعيد نشرها مرات عدة، أصبحت مرجعًا أساسيًا لفهم تطور القصة المصرية وتفرعاتها. ت تتلمذ على منهجه أجيال من القصاصين الجنوبيين، مؤكدين أن المحلية ليست عبئًا بل أفقًا، وأن اللغة ليست أداة بل ملكة، وأن القصة لا تُكتب لتُقرأ بالعين فحسب، بل لتُقال أيضًا. الأهم هو أن الكاتب الحقيقي يجد الصوت الذي ينطق به، سواء كان آتيًا من قرية بسيطة في الجنوب، ولكنه يحمل في عمقه تاريخ الإنسان منذ بدايته في الحكي.
في هذه الذكرى، عند إعادة قراءة “الطوق والأسورة” أو “الدف والصندوق” أو “حكاية على لسان كلب”، ندرك أن الزمن لم يمس هذه النصوص بسوء. ما زال صوت يحيى الطاهر عبد الله يخرج من بين السطور بنبرته الجنوبية الأصيلة، يلقي علينا قصصه كما كان يفعل في مقهى ريش، يحفظها القارئ معه، ويعيد للقصة العربية ذلك الشيء الذي فقدته في طريقها إلى المطبعة: أن تكون كائنًا حيًا يتنفس، لا مجرد أثر صامت على الورق.
عند تذكر أن هذا الصوت قد صمت فجأة في صباح ربيعي على طريق الواحات قبل 45 عامًا، ندرك حجم الخسارة. لكننا ندرك في الوقت نفسه أن من يكتب بهذه الكثافة لا يموت بالكامل؛ يبقى منه ما يكفي لنردد كل أبريل، أن الكرنك ما زالت تتكلم.


