في قلب ساحة “بوتسدامر بلاتس” البرلينية، وبينما تهب رياح فبراير/شباط الباردة محملة بضجيج الهتافات ومطالبات المثقفين بمواقف أكثر حزما تجاه المآسي الإنسانية الراهنة، يخوض مهرجان برلين السينمائي، شأنه شأن المهرجانات الكبرى، معركة أخلاقية وسياسية جديدة، تمتد جذورها عميقًا في تاريخه وفن السينما ككل. لم تعد السجادة الحمراء مجرد منصة لعرض أحدث الإنتاجات الفنية، بل تحولت عبر عقود إلى مسرح يعكس التوترات العالمية، ويشهد اشتباكات بين طموحات المبدعين وضغوط السياسيين.
يشهد مهرجان برلين السينمائي، في دورته الحالية، استقطابًا حادًا حول قضايا عالمية ملتهبة، أبرزها التداعيات الإنسانية لحرب غزة، مما يجعله امتدادًا لتقليد عريق من “الاشتباك” الأخلاقي الذي طبع تاريخ المهرجانات السينمائية العالمية. هذه المرة، يتجاوز النقاش مجرد تحليل الأفلام ليتحول إلى دعوات لم “واقف أكثر حزما” تجاه الأزمات الإنسانية، مما يعكس أن المؤسسات الثقافية باتت تلعب دور “مختبر سياسي” يعيد صياغة الرأي العام العالمي.
تاريخ المهرجانات السينمائية كقوة سياسية
لم تكن السجادة الحمراء يومًا محايدة، بل كانت دائمًا منصة رمزية تُشهر من فوقها المواقف التي تعجز الدبلوماسية الرسمية عن صياغتها. تتحول المؤسسة الثقافية، في لحظات الانعطاف الكبرى، إلى “مختبر سياسي” يعيد صياغة الرأي العام العالمي من خلال بيانات رسمية وقرارات ميدانية تتجاوز حدود الشاشة.
إلغاء مهرجان “كان” في 1968: شرارة التمرد
يعيدنا مشهد برلين اليوم إلى ربيع عام 1968 في فرنسا، حيث لم تكن صالات العرض في مهرجان “كان” بمنأى عن الحريق الذي أشعله الطلاب والعمال في شوارع باريس. لم يعد الصمت خيارًا متاحًا لجيل “الموجة الجديدة”، الذي رأى في استمرار المهرجان ببريق الأضواء والفساتين الفاخرة نوعًا من الخيانة لدماء المتظاهرين. قاد المخرجان جان-لوك غودار وفرانسوا تروفو تمرداً تاريخيًا، لم يتوقف عند حدود التنديد الشفهي، بل وصل إلى تعطيل العروض جسديًا. تعلق تروفو ورفاقه بستائر الشاشة، معلنين أن السينما التي لا تشعر بنبض الشارع هي سينما ميتة.
أدى الموقف إلى انهيار المهرجان وإلغاء الدورة بالكامل، لكنه ولّد في العام التالي قسماً جديداً كلياً هو “أسبوع المخرجين”، الذي منح السينما المستقلة والراديكالية صوتاً لم يخفت أثره حتى اليوم، وغيّر هوية مهرجان “كان” من مجرد مظهر فني إلى معقل للسينما الملتزمة بقضايا الإنسان.
مولد “كان” كبيان سياسي ضد الفاشية
لم تنبت جذور مهرجان “كان” من رغبة فنية مجردة في الأصل، بل من “رد فعل سياسي” حاد على فضيحة شهدها مهرجان فينيسيا عام 1938، حين خضع لضغوط مباشرة من النظامين الفاشي والنازي. أُجبرت لجنة التحكيم على منح الجوائز الكبرى لفيلم الدعاية النازية “أوليمبيا” للمخرجة ليني ريفنشتال، متجاوزة أفلاماً أمريكية وفرنسية كانت تستحق التكريم. دفع هذا التزوير الفج للذوق الفني لصالح الأيديولوجيا الدبلوماسي الفرنسي فيليب إيرلانجيه إلى الانسحاب فوراً، عائداً إلى بلاده بفكرة تأسيس مهرجان عالمي “حر” يكون رداً ثقافياً على طغيان الديكتاتوريات.
ولد “كان” كبيان سياسي دولي بامتياز، هدفه المعلن حماية الفن من الاختراق الفاشي، مما غيّر الخريطة الثقافية العالمية للأبد ونقل مركز ثقل السينما الأوروبية من إيطاليا الواقعة تحت حكم موسوليني إلى فرنسا الديمقراطية. هذا التقليد الصدامي انتقلت عدواه إلى برلين في عام 1970.
مهرجان برلين وأزمة فيلم “o.k”
في عام 1970، عاش مهرجان برلين واحدة من أكثر اللحظات حرجا في تاريخه. كان المهرجان يعيش في قلب الحرب الباردة، محاولاً الحفاظ على توازن دقيق، حتى انفجرت أزمة فيلم “o.k” للمخرج مايكل فيرهوفن. أثار الفيلم، الذي أعاد تجسيد جريمة اغتصاب وقتل فتاة فيتنامية على يد جنود أمريكيين، حفيظة رئيس لجنة التحكيم الأمريكي جورج ستيفنز، الذي رأى في العمل إهانة لعلاقات الحلفاء ومخالفة للوائح التي تمنع “الإساءة للدول الصديقة”.
تحول الخلاف بين أعضاء اللجنة إلى قضية رأي عام، انتهت باستقالة جماعية وإلغاء المسابقة الرسمية لأول مرة. لم تكن النتيجة مجرد تعطل دورة، بل كانت “هدم المعبد” لإعادة بنائه، حيث استقال مدير المهرجان ووُلد قسم “المنتدى الدولي للسينما الجديدة” عام 1971، ليكون مساحة محمية للأفلام التي تجرؤ على نقد السلطة بحدة، مما ثبّت اسم برلين كمهرجان “حقوقي” بامتياز، يرفض الرقابة أياً كان مصدرها.
الحرب الروسية الأوكرانية وموقف “كان” و”برلين”
مع دخول القرن الحادي والعشرين، لم تتراجع المهرجانات عن دورها كـ “فاعل سياسي” في الأزمات الكبرى. تجلى ذلك بوضوح في دورة مهرجان “كان” لعام 2022. مع اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا، لم يكتفِ المهرجان بالبيانات الإنشائية التي تبدي القلق، بل اتخذ قرارًا دبلوماسيًا حاسمًا بحظر كافة الوفود الرسمية الروسية والجهات المرتبطة بالكرملين.
كان هذا البيان بمثابة “إعلان حرب ثقافي”، حيث برر المهرجان موقفه بأنه وفاء لجذوره التي تأسست لمقاومة الفاشية في الثلاثينيات. تحولت السجادة الحمراء إلى جبهة تضامن، وافتتح الرئيس الأوكراني زيلينسكي المهرجان بكلمة عبر الفيديو، مرسلاً رسالة واضحة للرأي العام العالمي بأن المؤسسة الثقافية تملك “سيادة أخلاقية” تسمح لها بمعاقبة الأنظمة التي تعتدي على سيادة الشعوب. هذا الموقف أجبر العديد من المؤسسات الثقافية الأوروبية على مراجعة مواقفها واتباع نهج “كان” في ممارسة الضغط الرمزي عبر السينما.
كانت برلين عام 2022 تعيش مخاضًا مشابهًا، حيث أصدرت إدارتها بيانًا رسميًا شديد اللهجة يدين العدوان الروسي ويستبعد المؤسسات الرسمية المرتبطة بالدولة من “سوق الفيلم الأوروبي”. كان الموقف البرليني يهدف إلى التمييز بين “النظام” و”المبدع المستقل”، لكنه في جوهره كان صرخة ضد “الحياد السلبي”. أصبحت دورة المهرجان منصة عالمية لدعم الأصوات الأوكرانية، مما جذب اهتمامًا إعلاميًا لم يكن متعلقًا بالجوائز الفنية بقدر ما كان متعلقًا بالبوصلة الأخلاقية للمهرجان. دعمت “حرب أوكرانيا” هوية برلين كمكان لا يكتفي بعرض الفن، بل يصيغ من خلاله جبهة دفاع عن القيم الديمقراطية.
مهرجان برلين الحالي: اختبار جديد للضمير
تكشف المحطات التاريخية أن المهرجانات السينمائية تكتسب قيمتها الحقيقية وقوة تأثيرها حين تتجرأ على كسر روتين العروض لتتحول إلى “برلمان ثقافي”. إلغاء دورة في فرنسا، أو تأسيس مهرجان لمواجهة الفاشية، أو انهيار لجنة تحكيم في ألمانيا، أو فرض عقوبات ثقافية في العصر الحديث، كلها أفعال لم تكن مجرد ردود فعل عاطفية، بل كانت “تدخلات جراحية” في صلب الواقع السياسي.
إنها مواقف تصنع هيبة هذه المهرجانات وتجعل من بياناتها الرسمية وثائق تاريخية يُستشهد بها. واليوم، وبينما يواجه مهرجان برلين اختبارًا جديدًا لضميره المهني والأخلاقي تجاه مآسي الشرق الأوسط، يبدو أن المهرب الوحيد من فخ “التواطؤ بالصمت” هو العودة إلى تلك الشجاعة التي جعلت من السينما، في لحظات اليأس الكبرى، أقوى من صمت الرصاص. تظل المهرجانات السينمائية هي الحارس الرمزي للذاكرة الجماعية، والمؤسسات التي تثبت للعالم أن الفن لا يبدأ إلا حين تنتهي الشاشة من عرض خيالاتها، لتبدأ معركته الحقيقية في مواجهة الواقع العاري.
فالمهرجان الذي يجرؤ على قول “لا” في وجه القوة الغاشمة، أو يفتح أبوابه للمضطهدين حين تغلقها الدبلوماسية، هو المهرجان الذي يكتب اسمه في ذاكرة الإنسانية، وليس المهرجان الذي يكتفي بفرش السجاد الأحمر والتقاط الصور تحت أضواء الفلاشات الباردة. السينما، في جوهرها، هي فعل “رؤية”، والمهرجان الحقيقي هو الذي يرفض أن يغمض عينيه عما يحدث خلف أسوار القاعة، محوّلاً كل دورة وكل عرض وكل بيان إلى وثيقة اشتباك مستمرة تضمن أن يظل صوت الإنسان هو البطل الحقيقي في كل المشاهد.


