رحل عن عالمنا الكاتب الأمريكي تريسي كيدر، الحائز على جوائز مرموقة في مجال “اللاخيال السردي”، عن عمر يناهز 80 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا فريدًا تميز بقدرته على تحويل مواضيع متنوعة، من عالم هندسة الحاسوب المعقد إلى تفاصيل الحياة اليومية في دور رعاية المسنين، إلى كتب حققت نجاحًا باهرًا وتصدرت قوائم الأكثر مبيعًا.

وصفته دار النشر “راندوم هاوس”، التي نشرت أعماله لفترة طويلة، في بيان لها بأن مواهبه في سرد القصص وتقاريره الدؤوبة تعكس “التعاطف والنزاهة والفضول اللامتناهي الذي جلبه لكل ما فعله”.

“روح الآلة الجديدة” وكواليس وادي السيليكون

من أبرز أعمال كيدر هو كتابه “روح الآلة الجديدة” (The Soul of a New Machine) الذي صدر عام 1981، وفاز عنه بجائزة “بوليتزر” وجائزة الكتاب الوطني. في هذا الكتاب، تعمق كيدر في كواليس عالم شركات الحاسوب الناشئة، موثقًا الجهود المبذولة لتطوير حاسوب جديد. كان هذا العمل سباقًا بزمانه، حيث جاء قبل أن يبدأ معظم الناس بالاهتمام بالتفاصيل الداخلية لما سيصبح فيما بعد “وادي السيليكون”، مركز التكنولوجيا العالمي.

عن تجربته في تلك الفترة، قال كيدر: “كان الأمر يشبه الدخول إلى بلد آخر؛ في البداية، لم أكن أفهم ما يقوله أي شخص.” على مدى العقود التالية، استمر كيدر في استكشاف عوالم جديدة وغير مألوفة، مقدمًا للقراء أعمالًا غنية بالبحث العميق والتحقيق الدقيق حول موضوعات قد تبدو في ظاهرها أقل جاذبية للقراءة العامة.

رصد الشيخوخة وتحديات السرد الإنساني

لم تقتصر أعمال كيدر على عالم التكنولوجيا، بل امتدت لتشمل جوانب إنسانية عميقة. في عام 1989، نشر كتابه “بين تلاميذ المدارس” (Among Schoolchildren)، الذي أمضى فيه عامًا كاملًا داخل فصل دراسي للصف الخامس، مسلطًا الضوء على تفاني معلمة في إحدى المدارس في الأحياء الأقل حظًا بمدينة هوليوك في ولاية ماساتشوستس. استطاع كيدر من خلال هذا الكتاب أن يعكس بصدق واقع التعليم والتحديات التي تواجه المعلمين في المجتمعات المحرومة.

لاحقًا، في عام 1993، قدم كتابه “أصدقاء قدامى” (Old Friends)، حيث رصد ببراعة الجوانب المظلمة للتقدم في السن في المجتمع الأمريكي. وثق الكتاب قصة صداقة استمرت عبر الزمن، وكيف حافظ صديقان على كرامتهما وتلقائيتهما رغم الإملاءات التي فرضتها الشيخوخة داخل دار رعاية للمسنين. اعترف كيدر أن تحويل الأحداث اليومية، التي قد تبدو بسيطة، في دار رعاية بمدينة نورثهامبتون إلى سرد متماسك وشيق كان أحد أكبر تحدياته. وأرجع ذلك إلى أن “الأشياء الصغيرة يجب أن تعني الكثير جدًا” ليتمكن القارئ من الشعور بتدفق الأحداث.

“جبال وراء جبال” وتأثيره العالمي

في عام 2003، أصدر كيدر كتابه “جبال وراء جبال” (Mountains Beyond Mountains)، والذي تناول فيه رحلة طبيب أمريكي هدفت إلى توفير الرعاية الصحية لسكان هايتي. حظي هذا العمل بشهرة واسعة وأدرجته العديد من الجامعات ضمن قوائم القراءة الإلزامية، مما قدم إسهامات كيدر إلى جيل جديد من القراء. كان لهذا الكتاب تأثير كبير، حيث كتب المؤلف جون غرين، المعروف بروايته “ما تخبئه لنا النجوم”، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن كتاب “جبال وراء جبال” “غيّر حياتي، وحياة الكثيرين حول العالم”. كما ألهم الكتاب فرقة “أركيد فاير” (Arcade Fire) في أغنيتها الشهيرة “Sprawl II” عام 2010.

من فيتنام إلى “الصحافة الجديدة”

وُلد تريسي كيدر في مدينة نيويورك عام 1945. بعد تخرجه من جامعة هارفارد، تطوع في برنامج تدريب ضباط الاحتياط لتجنب التجنيد الإلزامي في حرب فيتنام. ورغم اعتقاده بأنه سيُعين في دور استخباراتي، إلا أنه أُرسل إلى فيتنام حيث تولى مسؤولية وحدة أبحاث راديوية في سن الثانية والعشرين، وتحديدًا في فترة ذروة الحرب بين عامي 1968 و1969. وثق كيدر هذه التجربة في مذكراته “وحدتي” (My Brigade) عام 2005، التي اتسمت بالفكاهة وقدمت رؤى حول حياة قوات الدعم، مشيرًا إلى أن الحرب كانت بالنسبة له “تجريدًا” حيث لم يشهد قتالًا مباشرًا. بعد الحرب، انضم كيدر وزوجته إلى جامعة أيوا، حيث ارتبط بحركة “الصحافة الجديدة” بقيادة كتاب مثل توم وولف وترومان كابوتي.

فلسفة “الحكواتي” الأدبي

كان كيدر يفضل وصف نفسه بأنه “حكواتي” بدلاً من “صحفي أدبي” أو “لاخيال إبداعي”، فقد كان يرى أن هذه المصطلحات “متكلفة” أو “توحي بأننا نختلق الأشياء”. وقال في مقابلة عام 2010: “لا أعتقد أن الخيال واللاخيال يختلفان كثيرًا، باستثناء أن اللاخيال ليس مخترعًا.. لكنني أعترض على أولئك الذين يعتقدون أن اللاخيال لا ينبغي أن يستعير تقنيات الخيال.. فهي تنتمي إلى فن سرد القصص”.

ترك كيدر خلفه زوجته “فران”، وطفليهما، وأربعة أحفاد. يستمر إرث كيدر كشهادة على قوة السرد القصصي في استكشاف تعقيدات التجربة الإنسانية، من تقنيات العصر الرقمي إلى عمق العلاقات الإنسانية في مختلف مراحل الحياة.

شاركها.
Exit mobile version