رواية “بحر غزة” للإيطالية تشيتشيليا بارودي تتجاوز حدود الأدب لتصبح أداة تضامن فعالة مع الشعب الفلسطيني. برز هذا العمل الأدبي اللافت فور صدوره، مقدمًا شهادة مستمدة من زيارة شخصية للكاتبة إلى القطاع في مطلع عام 2023، في وقت تتصاعد فيه حرب الإبادة. تقدم بارودي، وهي روائية إيطالية ذات معرفة عميقة بأهل غزة، هذا العمل كقصة متجذرة في تجربة حية، لا مجرد سرد منقول.

تم توجيه إشادة خاصة بهذا العمل من قبل الروائية الفلسطينية الإيطالية آلاء السيد، التي أكدت على معرفة بارودي العميقة بأهل غزة. تصف السيد رغبة بارودي في زيارة غزة بأنها لم تكن كغيرها من الأحلام، بل كانت تتجاذبها رغبة قوية في استكشاف هذا الجزء من العالم، وهو ما وصفته السيد بأن عيني بارودي كانتا تلمعان بنور فريد عند الحديث عن غزة، وانخفض صوتها بحضور مختلف عند وصولها إليها، معبرة عن شعور بالسكينة والحرية.

من الأدب إلى الإغاثة: “بحر غزة” كمبادرة إنسانية

على الرغم من أن “بحر غزة” هو العمل الأدبي الثالث للروائية الإيطالية تشيتشيليا بارودي، إلا أنها اعترفت بأنها لم تكن ترغب في كتابته في البداية، مؤمنة بأن الفلسطينيين هم الأجدر برواية قصصهم. لكن التجارب الإنسانية العميقة التي عاشتها في القطاع دفعها لتحويل هذه القصص إلى عمل روائي. صدر الكتاب دون المرور بدور النشر التقليدية، وذلك بعد أشهر قليلة من بداية حملة العدوان على غزة.

أوضحت بارودي في تصريح لها للجزيرة نت: “كان علي أن أكتب الرواية وأنشرها مباشرة حتى أجني المال وأتمكن من إرساله إلى غزة”. كان هدفها الأساسي هو توجيه كامل إيرادات العمل للمساهمة في جهود الإغاثة في القطاع، وليس مجرد جزء من الأرباح.

وهكذا، تحولت الرواية إلى منصة رقمية تحمل اسمها، لا تقتصر على بيع نسخ الرواية فحسب، بل تعرض منتجات متنوعة تعكس التضامن مع الشعب الفلسطيني وتدعم سرديته. تذهب جميع الأرباح لدعم سكان غزة.

أصبحت “بحر غزة” بذلك أكثر من مجرد عمل أدبي، بل تحولت إلى أداة تضامن حية مع شعب ناضلت بارودي لسنوات في إيطاليا للتعريف بقضيته، ولمست بنفسها جزءًا من معاناته خلال رحلتها التي شكلت تجربة فارقة في مسيرتها الروائية.

“خيوط الحياة” و”الكرسي الفارغ”: أصوات فلسطينية تصل إيطاليا

لم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت على موقع “بحر غزة” مجموعة شعرية مترجمة إلى الإيطالية بعنوان “خيوط الحياة”، للكاتبة الشابة من غزة، حنان عزايزة. حقق كتابها مبيعات عالية على المنصة، مما جعله من بين الكتب الأكثر مبيعًا.

تقول تشيتشيليا بارودي عن هذه التجربة: “لم تتح لي فرصة لقاء حنان في غزة، بل تعرفت عليها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وقد كنت منذ بداية حرب الإبادة مذهولة بكلماتها والصور التي كانت تنشرها على صفحاتها على مواقع التواصل؛ كانت حنان تنشر دائمًا محتوى شاعريًا للغاية، حتى وهي تعيش أحلك أيام القصف”. دفعت هذه الكلمات بارودي إلى سؤال عزايزة حول إمكانية جمع خواطرها في كتاب.

تضيف بارودي: “تحمست حنان للفكرة، وهكذا ولدت “خيوط الحياة”، باكورة أعمالها، وهو مجموعة من الأشعار والخواطر والتأملات. وقد لاقت صدى ممتازا بين القراء الإيطاليين”.

لم تتوقف حنان عزايزة عند “خيوط الحياة”، بل واصلت مسيرتها الأدبية. في عام 2025، صدر لها عمل روائي بعنوان “الكرسي الفارغ”، والذي وصل أيضًا إلى إيطاليا عبر موقع “بحر غزة”.

تصف بارودي رواية حنان بأنها “فريدة حقًا، فهي تروي قلق فتاة شابة لم تعرف في حياتها سوى الحصار والحروب”. وقد لامس هذا الموضوع بارودي بشكل شخصي، نظرًا لاهتمامها طويل الأمد بفهم الجانب النفسي والعاطفي لسكان غزة الذين لم يعرفوا سوى ظروف الحصار والحروب.

الترجمة كفعل مقاومة وتفاعل إيطالي “خارج التيار”

تؤكد بارودي، وهي أيضًا مترجمة متمرسة وتكتب للموقع الإيطالي “Palestine Chronicle Italia”، أنها تعاملت مع نصوص حنان بعناية فائقة، مع محاولة البقاء وفية للكلمات الأصلية قدر الإمكان. تم اتخاذ قرار النشر المباشر لتجاوز قيود دور النشر التقليدية وتجنب التأخير الزمني.

تشير بارودي إلى أن نشر أعمال حنان عزايزة، على الرغم من اتباعه لنهج النشر الورقي، إلا أنه يمثل حالة خاصة في ظل الوضع الإنساني الطارئ في غزة.

تصف بارودي تفاعل الإيطاليين مع تجربتها بأنه “خارج التيار السائد”، لكنها ترى ذلك كنعمة. وقد شهدت إعادة طباعة “خيوط الحياة” ثلاث مرات، واستمرار نجاح “الكرسي الفارغ”.

من جهتها، ترى حنان عزايزة أن نشر أعمالها في إيطاليا عبر هذه الشراكة هو “عبور ثقافي حقيقي”، وأن الأدب، حين يبلغ صدقه، يتحرر من الحدود ليصبح لغة كونية للقلق الإنساني.

تؤكد عزايزة أن نشر أعمالها باللغة العربية لاحقًا هو ضرورة فكرية وجمالية، بهدف فتح حوار حي مع القارئ العربي، حيث يحمل النص بلغته الأم طبقات دلالية وإيقاعًا داخليًا ومرجعيات ثقافية أعمق. تتوقع استقبالًا مختلفًا نوعيًا من القارئ العربي، الذي يقرأ من داخل اللغة والذاكرة الثقافية المشتركة.

تختتم عزايزة بالتأكيد على أن الأدب بالنسبة لها يمثل مساحة “للتحول” وليس “للانتشار”، حيث يهدف إلى تغيير رؤية القارئ لنفسه أو للعالم.

“طعم الجنة” في تجربة غزة

في ختام حديثها، تصف تشيتشيليا بارودي رحلتها إلى غزة بأنها “أعظم ما حصل في حياتي”، حيث منحت روحها أسمى اللحظات. شعرت بأنها في غزة عرفت معنى الحياة وقربت من الله، واصفة إياها بأنها “امتداد لأرض مقدسة… وأرض مباركة”. وتؤكد: “بل لن أتردد في القول إنني في غزة تذوقت طعم الجنة”.

تتواصل جهود ترجمة ونشر الأدب الفلسطيني في إيطاليا، معترفة بجدوى الترجمة كفعل مقاومة، ومن المنتظر أن تشهد الفترة القادمة المزيد من التفاعل بين الثقافتين العربية والإيطالية عبر الأدب.

شاركها.
Exit mobile version