فتح الله ولعلو يصدر مذكراته السياسية “زمن مغربي”: قراءة معمقة لتاريخ المغرب المعاصر
أصدر الأكاديمي والسياسي المغربي البارز فتح الله ولعلو مذكراته السياسية الشاملة، بعنوان “زمن مغربي: مذكرات وقراءات”، في عمل ضخم امتد على جزأين، تجاوزت صفحاته المئة صفحة واستغرق إنجازه قرابة 11 عامًا، ليقدم بذلك شهادة فكرية وسياسية عن تاريخ المغرب المعاصر.
صدرت هذه المذكرات عن منشورات المركز الثقافي بالدار البيضاء، وتحظى باهتمام واسع في الأوساط الثقافية والسياسية. أعد هذه المادة الغنية بالتحليلات القيمة الباحث لحسن لعسيبي، حيث تقدم المذكرات رؤية فريدة عن تحولات المغرب، صادرة عن شخصية قضت عقودًا في قلب صنع القرار السياسي والفكري.
حين يغلب الموضوعي على الذاتي: رؤية تحليلية للتاريخ
تتميز مذكرات فتح الله ولعلو بأنها لا تندرج ضمن السيرة الذاتية التقليدية، بل تتجاوزها لتقدم قراءة مركبة للتاريخ المغربي، مع تقديم الذات لصالح الموضوعية، وتحويل التجربة الشخصية إلى مدخل لفهم أعمق للتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المغرب منذ ستينيات القرن الماضي.
لا يروي ولعلو سيرته بوصفها حكاية فردية، بل كجزء لا يتجزأ من سياق تاريخي أوسع. الذات هنا ليست محور السرد، بل عنصر ضمن شبكة من التحولات الكبرى. ولذلك، يربط الكاتب مساره الشخصي بمسارات المغرب، مستحضرًا قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة.
مسار أكاديمي وسياسي متداخل
في هذا السياق، تصبح السيرة أداة للتأريخ، وليست غاية بحد ذاتها. يعمل ولعلو، الذي شغل منصب وزير الاقتصاد وكان قياديًا في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، على دمج تجربته ضمن مفهوم “الزمن المغربي”. هذا المفهوم يربط بين المحلي والعالمي، ويضع المغرب كفضاء متفاعل مع التحولات الدولية، خاصة في ظل صعود العولمة.
وُلد ولعلو في الرباط عام 1942، وتلقى تكوينه في الاقتصاد والعلوم السياسية، قبل أن يحصل على الدكتوراه من باريس عام 1968، ويبدأ مساره الأكاديمي أستاذًا بجامعة محمد الخامس. بالتوازي، انخرط مبكرًا في العمل السياسي والفكري، ونشر مقالات في الصحافة الحزبية والمجلات العلمية منذ الخمسينيات.
برز اسمه كمحلل اقتصادي بارز في المغرب، وأظهر قدرة كبيرة على قراءة التحولات الوطنية والدولية في سياقاتها التاريخية. لم يكن مجرد سياسي، بل مفكرًا يسعى لبلورة رؤية حداثية للعمل السياسي، تعتمد على التفكير الاستراتيجي بدلًا من التدبير الظرفي. تأثر بشكل واضح بمدرسة حزبه الاتحاد الاشتراكي، وبأحد رموزها عبد الرحيم بوعبيد، الذي شكل مرجعية فكرية وسياسية له، وهو ما يتجلى في مختلف محطات المذكرات.
منهج في قراءة التاريخ المغربي
يقوم مشروع ولعلو في هذه المذكرات على فكرة أن الفرد لا يمكن فهمه خارج سياقه التاريخي، لذا يرفض اختزال المذكرات في سرد شخصي. يدعو إلى جعلها مدخلًا لفهم موقع المغرب ضمن التحولات الإقليمية والدولية.
يعتمد الكاتب مقاربة تركيبية، حيث يربط كل مرحلة من حياته بسياقها التاريخي، سواء تعلق الأمر بالحركة الوطنية، أو المرحلة الطلابية، أو تجربته الحزبية. تتحول هذه المحطات إلى مفاتيح لفهم ما يسميه “الزمن المغربي”، والذي بلغ ذروته مع تجربة “حكومة التناوب التوافقي”.
يبرز ولعلو أيضًا دور المؤسسات، مثل البرلمان والنقابات والصحافة، في تنشيط الحياة السياسية، قبل أن يعرف المشهد تراجعًا لاحقًا، تجلى في ضعف الفعل الحزبي وغياب الكاريزما السياسية.
المغرب في قلب التحولات العالمية
لا ينظر ولعلو إلى المغرب كيانًا معزولًا، بل كجزء من نظام عالمي متغير. يربط تطوراته الداخلية بالتحولات الكبرى التي شهدها العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، مثل الحرب الباردة وصعود العولمة.
من هذا المنطلق، يقدم قراءة للمغرب كفضاء لتقاطع التأثيرات الدولية، حيث تتداخل السياسات الخارجية مع الديناميات الداخلية، مما يجعل فهم “الحالة المغربية” رهيناً بفهم سياقها العالمي.
قراءة في عهود الملوك
تشكل المؤسسة الملكية محورًا أساسيًا في المذكرات، حيث يقدم ولعلو قراءة لتطور الدولة المغربية عبر ثلاث محطات رئيسية: عهد محمد الخامس، الذي قاد معركة الاستقلال؛ عهد الحسن الثاني، الذي ركز على بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها؛ وعهد محمد السادس، الذي دشن مرحلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
يؤكد الكاتب أن فهم هذه المراحل ضروري لاستيعاب مسار المغرب الحديث، خاصة في ظل تداخل الاستمرارية والتغيير.
إشكاليات التوثيق وأهمية الشهادة
تثير مذكرات ولعلو سؤالًا حول علاقتها بكتابة التاريخ: هل يمكن اعتبارها مصدرًا موثوقًا؟ من جهة، توفر مادة غنية يصعب على المؤرخين الوصول إليها، بحكم موقع صاحبها داخل دوائر القرار. ومن جهة أخرى، تظل محكومة بحدود الذات وما قد يصاحبها من انتقائية أو تأويل.
ورغم هذا الإشكال، يراهن عدد من الباحثين على المذكرات السياسية كمصدر أساسي لكتابة التاريخ، خاصة في ظل ضعف الأرشيف الرسمي وغياب ثقافة توثيق الذاكرة لدى الفاعلين السياسيين.
تكمن أهمية “زمن مغربي” في كونه شهادة من الداخل، تقدم تفاصيل دقيقة عن وقائع وأحداث ظلت بعيدة عن متناول الباحثين. يفتح هذا العمل، في ظل غياب أرشيف منظم، أفقًا جديدًا للبحث التاريخي، يتجاوز السرد الرسمي نحو مقاربة أكثر تعددية.
مذكرات تكتب التاريخ أكثر مما ترويه
مذكرات فتح الله ولعلو ليست مجرد سيرة شخصية، بل مشروع فكري يسعى لإعادة بناء فهم التاريخ المغربي. إنه نص يتقاطع فيه الذاتي بالموضوعي، والوطني بالعالمي، مشكلًا قراءة مركبة لزمن لا يزال حاضرًا. بين ذاكرة السياسي وتحليل الأكاديمي، نجح “زمن مغربي” في أن يكون أكثر من مجرد مذكرات؛ إنه محاولة لكتابة التاريخ من الداخل.
تنتظر الأوساط الأكاديمية والمهتمة بالشأن المغربي المزيد من التحليلات والنقاشات حول ما تقدمه هذه المذكرات القيّمة، والتي من المتوقع أن تشكل مرجعًا أساسيًا لفهم مسارات المغرب المعاصرة.


