صوت شاب استطاع في سنوات قليلة أن يحجز مكانه بين أبرز قرّاء الجزائر، حيث تمكن عبد العزيز سحيم من أن يضع لنفسه اسما لافتا، فخرج صوته من محراب محلي في ولاية المسيلة (نحو 240 كم جنوب العاصمة) ليصل صداه إلى أكبر المساجد داخل الجزائر وخارجها. أصبح لتلاوة عبد العزيز سحيم حضور مألوف للآلاف، سواء عبر صلوات التراويح أو منصات التواصل، يمتزج فيها الخشوع بالرونق الصوتي، ويضع في كل آية يقرأها علامة تحمل بصمته تعود لذاكرة من سمعوه خاصة في شهر رمضان.

يُعد القارئ الشاب عبد العزيز سحيم، صاحب الصوت القرآن ّي الملفت, أحد أبرز الأسماء الصاعدة في سماء القراءة بالجزائر، حيث استطاع في فترة وجيزة أن يخترق الحواجز المحلية ليصل صوته إلى قلوب الملايين عبر الوطن العربي. تتسم تلاواته بالخشوع العميق والتأثير الصوتي المميز، مما جعله يحظى بشعبية جارفة بين محبي القرآن الكريم.

بيت القرآن

ولد القارئ الشاب عبد العزيز سحيم في 12 فبراير/شباط 1996 بولاية المسيلة، وهي ولاية معروفة باحتضانها للعديد من الكتاتيب وحفظة القرآن. نشأ سحيم في أسرة محافظة، وترعرع في بيئة وصفها المقربون بأنها “بيت القرآن”، حيث كان والده الإمام والمعلم الأول له، وأصر على أن تكون خطى ابنه الأولى نحو المسجد.

منذ نعومة أظفاره، بدأ الطفل ذو الخمس سنوات رحلته مع حفظ القرآن الكريم على يد والده، في تجربة تقليدية صارمة ساهمت في تشكيل ملامح قارئ متقن منذ سن مبكرة. وقد تفتحت موهبته سريعاً، فكان يُختار لتلاوة القرآن في المناسبات المدرسية.

كسر رهبة المنبر وهو في السابعة.. طفلٌ قدّمته ليلة القدر ليكون إماماً قبل أن تكتمل سنوات دراسته الأولى

خاض سحيم أول اختبار حقيقي أمام جمهور المصلين وهو في السابعة من عمره، في إحدى ليالي القدر. شكلت هذه اللحظة المبكرة نقطة تحول، إذ كسرت رهبة المنبر وعززت ثقته بنفسه وبقدراته الصوتية.

المدرسة المصرية واللمسة الجزائرية

يتميز عبد العزيز سحيم بصوت قرآني جامع ومتكامل، يمزج بين أصالة صوت الأجيال السابقة وعصرية الأداء التي تناسب الشباب. هذا المزيج الفريد جعله جسراً يربط بين جيل الشباب وجماليات التلاوة القرآنية التقليدية.

يمتلك سحيم قدرة لافتة على التنقل بين طبقات صوته المختلفة، حيث يتميز بـ”القرار” الرخيم الذي يبعث السكينة، و”الجواب” القوي الذي يضفي وضوحاً وقوة على التلاوة دون الانزلاق إلى حدة مزعجة. هذه المرونة الصوتية تجعل تلاوته مريحة وممتعة للأذن عبر مختلف المقامات.

ومن أبرز ما يميز أداءه هو “التصوير الصوتي للمعاني”. فعبد العزيز لا يكتفي بقراءة الآيات بصوت جميل، بل يستخدم نبرة صوته لتجسيد سياق النصوص القرآنية. فعند تلاوة قصص الأنبياء، يميل إلى أسلوب الحكي المشوق. وفي آيات الرجاء والجنة، يرتفع صوته بطمأنينة. أما في آيات الوعيد والعذاب، فتكتسي نبرته الهيبة والوقار.

يستلهم سحيم من المدرسة المصرية، خاصة من قراء الجيل الذهبي مثل عبد الباسط عبد الصمد ومحمد صديق المنشاوي، إتقان المقامات والتنفس الطويل. وفي الوقت نفسه، يحافظ على هدوء ورزانة المدرسة الجزائرية، ملتزماً برواية ورش، مما يضفي على تلاوته طابعاً مغاربياً أصيلاً. ورغم جمال صوته، يبقى الانضباط التجويدي هو حجر الزاوية في أدائه، فلا يضحي بمخارج الحروف والمدود لصالح النغم، وهو ما يعود إلى تنشئته الصارمة وحفظه للقرآن على يد والده.

آية واحدة “واسأل القرية” قلبت الموازين؛ ليتحول محراب المسيلة الصغير إلى مزارٍ للمصلين من مختلف المناطق

“واسأل القرية”.. لحظة الانتشار

كان المنعطف الأبرز في مسيرة عبد العزيز سحيم هو المقطع الذي انتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي. في إحدى أمسيات رمضان، وأثناء مراجعته لسورة يوسف، قرأ سحيم آية “واسأل القرية التي كنا فيها” بصوت مؤثر للغاية. تحول هذا المقطع خلال ساعات قليلة إلى ظاهرة رقمية، تجاوزت حدود المحلية.

مع هذا الانتشار الواسع، بدأ المصلون بالتوافد إلى مسجد النصر بالمسيلة من ولايات مختلفة، قاطعين مسافات طويلة للصلاة خلفه. تأثر هؤلاء المصلون بصوته العميق في الفيديو، وشكلوا مشهداً نقله من المحلية إلى الفضاء العربي في بضع ساعات.

ألقاب وطنية ومحطات خارج الحدود

تعزز حضور عبد العزيز سحيم بسلسلة من الألقاب الوطنية المرموقة، أبرزها لقب “تاج القرآن الكريم” الذي حصل عليه عام 2022. هذا اللقب جعله واحداً من أبرز الأصوات القرآنية في الجزائر قبل أن تكتسب شهرته بعداً عربياً.

في الجزائر، وصل سحيم إلى محطة بارزة عندما أمّ المصلين في جامع الجزائر بالعاصمة، أحد أهم الصروح الدينية في البلاد والعالم الإسلامي. شهدت صلواته هناك إقبالاً واسعاً، حيث لم يقتصر الحضور على سكان العاصمة فحسب، بل توافد المصلون من ولايات مجاورة للاستماع إلى تلاوته المتميزة في صلوات التراويح وقيام الليل، وفي المناسبات الدينية كإحياء ليلة القدر. امتزج الخشوع بالخبرة الصوتية، وأصبحت صلاته لحظة ينتظرها المصلون بشغف كل رمضان، وتحظى بتفاعل كبير.

ومع هذه التجربة المحلية التي جاب من خلالها صوت عبد العزيز سحيم أنحاء الجزائر، امتدت مشاركاته إلى خارج الحدود، ليصبح له حضور عربي لافت في العديد من المحافل الدينية.

لا يزال عبد العزيز سحيم يواصل مسيرته القرآنية، مع تطلعات لمزيد من التميز والتأثير في خدمة كتاب الله، متوقعاً له الاحتفاء بمشاركات دولية قادمة.

شاركها.
Exit mobile version