فهم عقل ترامب: كيف تحولت كتبه إلى سياسات عالمية

واشنطن – 28/3/2026 – يعود الموقف الحازم للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران إلى عام 1980؛ ففي أثناء أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين، صرح بأنه لو كان رئيساً حينها لأرسل القوات العسكرية. وعندما وصل إلى الرئاسة بعد قرابة أربعة عقود، هاجم إيران عند كل فرصة سانحة، إذ تعد إيران بشكل عام واحدة من أبرز الساحات التي يطبق فيها ترامب أفكاره ونظرياته التي سطرها في كتبه، وتحديداً عقلية “فن الصفقة” التي تعتمد على ممارسة أقصى درجات الضغط واستعراض القوة للحصول على المكاسب.

شهد العالم مؤخراً أحداثاً هزت أركانه، خاصة في الشرق الأوسط وفنزويلا وغرينلاند في عام 2026، مما يثير التساؤل حول مصدر هذه السياسات المتشددة. الإجابة تكمن في الكتب التي كتبها ترامب بنفسه، وعددها يفوق 15 كتاباً. من خلال تحليل أهم هذه المؤلفات، يمكن فهم ما يدور في عقل دونالد ترامب، وكيف يحول أفكاره إلى أفعال تغير شكل أمريكا والعالم.

“أمريكا التي نستحق” (2000): المسودة الأولى للمشروع

في عام 2000، أصدر ترامب كتاب “أمريكا التي نستحق”، والذي كان بمثابة المسودة الأولى لمشروعه السياسي. حمل الفصل المخصص للعلاقات الخارجية شعار “أمريكا أولاً”. وفي هذا الكتاب، لم يتردد ترامب في التعبير عن تطلعاته للترشح لرئاسة الولايات المتحدة، مؤكداً إيمانه بأن غير السياسيين هم مستقبل القيادة. وضع ترامب في هذا الكتاب رؤيته حول الاقتصاد، التعليم، الرعاية الصحية، الأمن، والهجرة، ممهداً الطريق للسياسات التي تبناها لاحقاً.

“حان وقت الحزم” (2011): حين تحول “الضحك” إلى “انتقام”

في عام 2011، وبعد سخرية الرئيس حينها باراك أوباما منه في حفل عشاء البيت الأبيض، أصدر ترامب كتاب “حان وقت الحزم”. اعتبر الكثيرون هذه اللحظة نقطة تحول في مسيرة ترامب السياسية، حيث تحولت السخرية إلى دافع للانتقام وتغيير إرث أوباما. في هذا الكتاب، اتهم ترامب القادة الحاليين بـ “الغباوة” ودعا إلى “أمريكا رقم واحد”.

وجه ترامب في كتابه انتقادات لاذعة لسياسات أوباما تجاه الصين، ووصف نهجه الضريبي بـ “اللعب بالطبقة الوسطى”، مقدماً نفسه كبديل قادر على قيادة الدولة والتفاوض دولياً بفضل خبرته كرجل أعمال.

عقيدة الشراسة ومطاردة إرث أوباما

اتبع ترامب مبدأ “المطاردة بأقصى عنف وشراسة” الذي وصفه في كتابه “كيف تصبح غنياً” عند انتقاده لإرث أوباما. أبرز ما استهدفه هو قانون الرعاية الصحية “أوباما كير” والاتفاق النووي مع إيران. في كتابه “أمريكا العرجاء”، وصف ترامب “أوباما كير” بأنها “كذبة منذ البداية”، وعلى الرغم من عدم نجاحه في إلغائه بالكامل، فقد عمل على إضعافه من خلال أوامر تنفيذية. أما الاتفاق النووي، فقد ألغاه ترامب رسمياً بعد 14 شهراً من وصوله للبيت الأبيض، وهو ما كان متوقعاً لمن قرأ تحذيراته في كتابه.

“فن العودة” (1997): الخسارة كإشارة دخول

ينظر ترامب إلى الخسارة، حتى في الانتخابات الرئاسية لعام 2020 أمام جو بايدن، كإشارة لدخول جولة جديدة. في كتابه “فن العودة”، الذي صدر عام 1997، وضع ترامب قواعد العودة التي تتضمن التركيز، الحذر، مخالفة التيار، قراءة اللحظة، ورد الاعتبار للنفس. طبق ترامب هذه القواعد لاستعادة رئاسته في عام 2024، حيث ركز على شعار “لو كنت أنا الرئيس لما حدث هذا” وهاجم بايدن بقوة، مما عزز موقفه التفاوضي.

“فن الصفقة” (1987): جغرافيا العالم بعين “المقاول”

يعتبر كتاب “فن الصفقة” أهم مرجع لفهم سياسات ترامب الخارجية. في هذا الكتاب، يصف ترامب الصفقات بأنها “شكل فني” وأن متعته تكمن في عقد “صفقات كبيرة”. وضع خمس قواعد أساسية: التفكير الجيد، تعظيم الخيارات، استخدام النفوذ، عدم الانسحاب سريعاً، والاستمتاع بتحقيق المكاسب. وقد طبق هذه القواعد في أحداث عالمية.

  • غزة 2025: طبق ترامب ببراعة قواعد الصفقة، بدءاً من طرح اقتراحات جريئة مثل تهجير سكان غزة، وصولاً إلى السيطرة الأمريكية وإعادة الإعمار بتمويل دولي، واختتمها باحتفاله بـ “صفقة السلام” في شرم الشيخ.
  • غرينلاند: وصف ترامب جزيرة غرينلاند بـ “صفقة عقارية كبرى”، وطبق قاعدة “التفكير بشكل ضخم” من كتابه “فكر كبطل” (2009) من خلال طرح فكرة شرائها، ما اعتبر تكتيكاً لجس النبض وفرض الضغط الأقصى.
  • فنزويلا 2026: في سعيه للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، طبق ترامب مبدأ “الشراسة” الذي ذكره في كتابه “كيف تصبح غنياً”، وأمر باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

الصين وروسيا: التصعيد وتوازن المصالح

غير ترامب اتفاقية “نافتا” التي وصفها بـ “الخاسرة” في كتابه “أمريكا العرجاء” بمنطق “أمريكا أولاً”، وفرض تعريفات جمركية مشددة على الصين. أما روسيا، فقد صور تعامله معها في كتاب “حان وقت الحزم” كعلاقة براغماتية مبنية على الصفقات. وفيما يخص أوكرانيا، طبق سيكولوجية المفاوض واصفاً الرئيس زيلينسكي بـ “المتسول” في كتابه “فن العودة”.

“أوفِ بوعودك” والوعود القادمة

في كتابه “أنقذوا أمريكا” (2024)، وعد ترامب بجيش قوي، ووقف الهجرة، وزيادة الاعتماد على النفط، وهي وعود بدأ بتطبيقها في فنزويلا وغرينلاند. وقد وثقت البيت الأبيض قوله ما يعادل 22 كتاباً من سلسلة “فن الصفقة” في تصريحاته حتى أواخر عام 2025. يبقى المبدأ الخامس في “فن الصفقة” هو “أوفِ بوعودك”، وهو ما يفسر السياسات التي يتبعها والدعوات التي يطلقها، ما يضع العالم أمام مستقبل يتطلب متابعة دقيقة لخطاباته القادمة.

شاركها.
Exit mobile version