دمشق – شهدت المكتبة الوطنية بدمشق مؤخرًا فعاليات ملتقى ومعرض الكتاب للطفل تحت شعار “جيل يقرأ.. جيل ينهض“، وهو حدث يسعى لاستعادة مكانة الكتاب لدى الأطفال في عصر تهيمن فيه الشاشات الرقمية. حضر المعرض آلاف الأطفال من مختلف المدارس ودور الحضانة، مقدمًا لهم تجربة تفاعلية غنية بالفعاليات المتنوعة، بهدف تعزيز حب القراءة لدى النشء.

استقبلت أروقة المكتبة فعاليات متنوعة، من تفحص كتب النشر المتخصصة في أدب الطفل إلى الألعاب التفاعلية والرسم على الوجوه. تخللت الفعاليات أيضًا جلسات استماع إلى الحكواتية، حيث استمتع الأطفال بقصص تجمع بين الحكمة والتعليم والتسلية، في جو مفعم بالألوان والأشكال التي أسرت قلوبهم.

مشاركة واسعة في معرض الكتاب للطفل

ضم الملتقى مشاركة نحو 30 دار نشر محلية، معظمها متخصص في أدب وعلوم الطفل. عرضت هذه الدور مجموعة واسعة من إصداراتها، بالإضافة إلى وسائل تعليمية وتطبيقات تفاعلية مصممة خصيصًا للأطفال. أوضح علي عبد الرحيم، مدير معرض كتاب الطفل، أن ما يميز هذه الدورة هو إتاحة المجال الكامل للأطفال للشعور بالانتماء للمكان، مشيرًا إلى خطط لإنشاء مكتبة مصغرة داخل المكتبة الوطنية تكون خاصة بالطفل وكتبه.

يتمثل الهدف الأساسي لهذه المبادرة في إعادة بناء العلاقة بين الطفل والكتاب، وهي علاقة شهدت تراجعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. أكد عبد الرحيم أن الطفل هو أساس المجتمع، وأن تنشئته الثقافية السليمة هي السبيل لإعداد جيل واعٍ وقادر على البناء والتنمية، مما يجعل معرض الكتاب للطفل حدثًا محوريًا.

رؤية جديدة لتعزيز ثقافة الطفل

أكد عبد الرحيم على الحاجة المتزايدة لمثل هذه المبادرات في ظل ما مرت به البلاد، مشيرًا إلى أهمية التركيز على إعداد جيل “بنّاء”. تنعكس هذه الرؤية في اختيار الكتب ودور النشر المشاركة، بحيث لا يقتصر دورها على تقديم المعلومات، بل يمتد لتنمية التفكير النقدي لدى الأطفال وقدرتهم على تحليل ما يتلقونه، لمواجهة التأثيرات السائدة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. يشدد هذا التوجه على أهمية امتلاك المعرفة الصحيحة من خلال النقد والتفكير.

فيما يتعلق بمشاركة دور النشر، تم الحرص على استقطاب أكبر عدد ممكن منها من خلال تخصيص مساحة واسعة داخل المكتبة. لفت عبد الرحيم إلى أن الإقبال في الدورات السابقة كان ضعيفًا بسبب القيود المشددة والرقابة المفروضة على الكتب، حيث كانت الأعمال المخالفة لتوجهات النظام السابق تُستثنى، كما كانت بعض دور النشر تُستبعد لأسباب تتعلق بمواقف أصحابها السياسية. اليوم، تشهد الظروف تحسنًا ملحوظًا، مع وجود إقبال كبير من الأهالي والأطفال، وشعور متنامٍ بالانتماء للمكتبة الوطنية.

عودة دور النشر وتسهيلات جديدة

قال ولهان البابا، صاحب دار البابا للنشر المتخصصة في كتب الأطفال، إنه توقف عن المشاركة في معرض كتاب الطفل منذ عام 2011 نتيجة معوقات الرقابة والتقييد. وأوضح البابا أنه عاد للمشاركة في الدورة الحالية بفضل التسهيلات المتاحة، انطلاقًا من شعوره بضرورة الإسهام في دعم الأطفال والعودة لسوق دمشق. وصف هذه الخطوة بالإيجابية والبداية المشجعة، معربًا عن تفاؤله باتساع حجم المشاركة في السنوات المقبلة.

وأضاف أن الإقبال في الأيام الأولى من المعرض كان ضعيفًا نسبيًا، مرجعًا ذلك إلى محدودية الترويج الإعلامي، إذ لم يكن عدد كافٍ من الناس على علم بإقامة المعرض. تشكل هذه الظاهرة تحديًا مستقبليًا يواجه المنظمين لضمان وصول المعلومة لشرائح أوسع.

تحسين التنظيم وتوسع المشاركة

من جانبها، أشارت سميرة شقير، المديرة التنفيذية لدار طيور الجنة، إلى أن الإقبال كان جيدًا رغم تزامن المعرض مع فترة الامتحانات. لافتة إلى وجود تحسن ملحوظ في التنظيم ومشاركة عدد أكبر من دور النشر الجديدة مقارنة بالدورات السابقة. بيّنت شقير أن استقطاب هذه الدار المتخصصة في الوسائل التعليمية أصبح أسهل، بعد أن كانت تواجه صعوبات في إدخال هذه المواد إلى البلاد سابقًا.

أكدت شقير أهمية الألعاب التعليمية إلى جانب الكتب، خاصة في مرحلة ما قبل المدرسة، موضحة أنها تمثل مدخلًا أوليًا للقراءة وتسهم في تهيئة الطفل للدراسة بطريقة إيجابية، دون أن يشعر بالإجبار أو الضغط. هذه الرؤية تعزز مفهوم التعلم الممتع الذي يعد أساسيًا في بناء شخصية الطفل.

فضاء تفاعلي للطفولة

وصفت آلاء مصطفى، إحدى المشاركات، المعرض بأنه ملائم وجذاب للأطفال لما يتضمنه من فعاليات متنوعة، مثل الرسم على الوجوه والقصص التفاعلية. بيّنت أن المعرض يشكل نشاطًا ترفيهيًا مهمًا يسهم في إبعاد الأطفال عن الأجهزة الإلكترونية، ويمنحهم فرصة لخوض تجربة واقعية تساعدهم على التعرف إلى الأشياء بشكل ملموس وتفاعلي. إن توفير بيئات تفاعلية كهذه يعد استثمارًا مستقبليًا في بناء جيل قادر على استخدام التكنولوجيا بوعي.

يتطلع المنظمون إلى تعميم تجربة معرض الكتاب للطفل وتوسيع نطاقها لتشمل مناطق أخرى، مع التركيز على تطوير المحتوى وزيادة التفاعل مع الأطفال والأسر، لضمان استدامة هذه الجهود في غرس حب القراءة والمعرفة.

شاركها.
Exit mobile version