جيفري إبستين: المفترس المحمي في الأدب والسينما الواقعية
شبح جيفري إبستين، المفترس الذي ارتكب جرائمه تحت ستار الثروة والنفوذ، يلقي بظلاله على الواقع المعاصر، مذكرًا بنماذج أدبية وسينمائية سابقة، جسدت شخصيات مشابهة قبل أن تتجسد في الواقع. قضية إبستين، بما تحمله من دوافع مظلمة وتشعبات أخلاقية، أصبحت محط اهتمام إعلامي واسع، نظرًا لدلالاتها المفزعة التي تشير إلى تآكل القانون داخل دوائر النخبة.
تُبرز قضية جيفري إبستين، رجل الأعمال الأمريكي المدان بالاتجار بالبشر وجرائم جنسية، كيف يمكن للثروة والعلاقات القوية أن توفر غطاءً لمثل هذه الأفعال. فبينما روت الأعمال الفنية قصصًا مشابهة عن الإساءة والتحايل والتواطؤ، يكشف إبستين عن واقع تجاوز الخيال، حيث تحول الشر من استثناء إلى قاعدة منظمة.
المفترس يحكي: “لوليتا” وفخ السرد
يظهر شبح جيفري إبستين بوضوح في رواية “لوليتا” (Lolita) للكاتب فلاديمير نابوكوف، الصادرة عام 1955. يتجسد إبستين في شخصية همبرت همبرت، الراوي الذي يسرد علاقته الاستغلالية مع فتاة مراهقة، حيث يكون الصوت السارد هو ذاته الصوت المعتدي. الرواية لا تصور همبرت كوحش غريب، بل كرجل مثقف يبرر جريمته بلغة أدبية راقية، وهو ما يجعله أخطر من المجرم العادي. هذه الشخصية تعكس القدرة على إخفاء الاعتداء خلف قناع الثقافة والمكانة الاجتماعية، وهي سمة تلازم قصة إبستين الذي لم يقتصر على التواجد داخل دوائر النخبة، بل سيطر على جزء كبير منها.
عيون مغلقة أمام اتساع الفساد
في عام 1999، قدم المخرج ستانلي كوبريك فيلمه الأخير “عيون مغلقة على اتساعها” (Eyes Wide Shut)، والذي يتعمق في عالم الزواج والرغبة والطبيعة الخفية للحياة الراقية. يتابع الفيلم رحلة الطبيب الثري بيل هارفورد، الذي يخوض ليلة طويلة من التجوال بعد اعتراف زوجته بخيال عاطفي. تتكشف أمامه عوالم سرية داخل مدينته، ويجد نفسه يتسلل إلى حفل سري مقنع تديره نخبة مغلقة، حيث تُعامل العلاقات كأدوات نفوذ. الفيلم يكشف عن نظام صارم يستلزم الصمت والامتثال، ويهدد كل من يتجاوز حدوده.
يلتقط الفيلم، رغم أسبقيته، الأجواء التي ستُكشف لاحقًا في حياة النخب المعاصرة، حيث تُدار الرغبات بوصفها امتيازات. يصور كوبريك الحالة “الإبستينية” ببراعة، حيث تمنح السرية الجرأة لاقتحام المحرمات.
فساد مؤسسي: “الفتاة ذات وشم التنين” كمثال
تُعد رواية “الفتاة ذات وشم التنين” (The Girl with the Dragon Tattoo) للكاتب السويدي ستيغ لارسون، الصادرة عام 2005، نموذجًا للجريمة السياسية التي تتعمق في الفساد المؤسسي. تبدأ القصة بتحقيق الصحفي ميكائيل بلومكفيست في اختفاء فتاة داخل عائلة صناعية مرموقة. يتعاون مع المخترقة الغامضة ليسب بث سالاندر، ليكتشفا أن الاختفاء ليس حادثًا منعزلاً، بل جزءًا من بنية كاملة تحمي نفسها.
تقدم الرواية، وكذلك الفيلم المقتبس عنها، الشر كظاهرة متوارثة، حيث يصبح الصمت على الجريمة جزءًا من الميراث، وتصبح العدالة قابلة للتفاوض. تقترب الرواية من “منطق إبستين” كظاهرة ثقافية، حيث لا يقتصر الأمر على رجل واحد، بل نظام يسمح بالافتراس ويعيد إنتاجه، ويوفر له حماية اجتماعية. يشير لارسون إلى أن أبشع الجرائم لا تخفى لندرتها، بل لحمايتها داخل مؤسسات تبدو محترمة. هذه الفكرة تجعل قصة إبستين رمزًا للتواطؤ المؤسسي، حين تصبح النخبة نفسها جدار الحماية.
حماية المعتدين: “بقعة ضوء” وتشريح الصمت
فيلم “بقعة ضوء” (Spotlight) للمخرج توم مكارثي، رغم عدم تناوله موضوع الاتجار بالبشر بشكل مباشر، يقدم رؤية مهمة لآليات الصمت المؤسسي. يصور الفيلم جهود فريق الصحافة الاستقصائية الذي كشف عن الاعتداء الجنسي الممنهج داخل الكنيسة الكاثوليكية في بوسطن، ويكشف عن الآلية المؤسسية التي مكّنت هذه الجرائم: الإنكار، الترحيل، الترهيب، واستخدام السلطة الأخلاقية كغطاء.
يكشف الفيلم الآلية الأساسية التي تتشابك مع فضيحة إبستين، وهي استمرار الاعتداء سواء من قبل الجناة أو عبر الحماية المؤسسية. السؤال الاستنكاري الذي يطرحه الفيلم “كيف علم كل هؤلاء الناس ولم يحدث شيء؟” هو ذاته السؤال الذي يرافق قضية إبستين.
أصوات الضحايا: “جيفري إبستين: ثري فاسد”
يُعتبر مسلسل نتفليكس الوثائقي “جيفري إبستين: ثري فاسد” (Jeffrey Epstein: Filthy Rich)، الصادر عام 2020، النص الثقافي الأكثر مواجهة لقضية إبستين، حيث يركز على ما تعجز الأعمال الروائية عن تقديمه: أصوات الناجين. يقدم الفيلم شهادات عن واقع مرير من التجنيد والتلاعب والإفلات من العقاب طويل الأمد، مدعومًا بالثروة والنفوذ.
تؤكد روايات الناجين أن النظام نفسه مصمم لحماية ذاته. إبستين ليس مجرد شخص فاسد، بل هو حالة شاذة أنتجتها ثقافة هشة ومنظومة قيمية مرنة، قائمة على ازدواجية واضحة وتوحش ذاتي مقلق.
من المعتدي الأنيق في “لوليتا”، إلى عالم النخبة المغلق في أفلام كوبريك، مرورًا بالشر المؤسسي في أعمال ستيغ لارسون، وتشريح الصمت في “بقعة ضوء”، حذرت الثقافة الحديثة طويلًا وسردت قصة المعتدي المحمي. لكن إبستين كشف أن الخيال لم يكن مبالغًا فيه؛ بل، على العكس، تجاوزه الواقع.
تستمر التحقيقات في شبكة علاقات إبستين، وسط ترقب لكشف المزيد من الحقائق حول المسؤولين والمتواطئين في هذه القضية التي هزت أركان المجتمع.


