في ظل تصاعد الاشتباكات المتكررة في مدن مكسيكية بارزة مثل غوادالاخارا، تعود أفلام ومسلسلات الكارتيلات إلى الواجهة بقوة، مقدمةً رؤية درامية تعكس الصراع المعقد والمستمر بين عصابات المخدرات والمؤسسات الحكومية. لا تقتصر هذه الأعمال الفنية على تقديم محتوى ترفيهي وحركي فحسب، بل تسعى إلى استكشاف العلاقة المتشابكة بين السلطة الرسمية و”اقتصاد الظل”، محوّلةً الجغرافيا الواسعة الممتدة بين الولايات المتحدة والمكسيك وصولاً إلى أعماق أمريكا اللاتينية إلى ساحة صراع لا يرحم، وتعيد تعريف مفاهيم العدالة والفساد في ظل انهيارات كبرى.

الكارتيلات في المرآة الدرامية: أفلام ومسلسلات تعكس واقع الصراع المكسيكي

برزت مجموعة من الأعمال السينمائية والتليفزيونية التي نجحت في النفاذ إلى عمق العلاقة بين الأنظمة والكارتلات، محققةً رواجاً جماهيرياً واسعاً. تستعرض هذه الأعمال الأبعاد المتعددة لهذا الصراع، من منظورات مختلفة، مسلطة الضوء على التحديات التي تواجهها المجتمعات والدول في مواجهة هذه التنظيمات الإجرامية. إن فهم هذه الأعمال يتطلب النظر إليها كمرآة تعكس واقعاً قاسياً، ورواية لقصص أبطالها وضحاياها في آن واحد.

فيلم “سيكاريو”.. العدالة الخشنة

تدور أحداث فيلم “سيكاريو” (Sicario) عام 2015 في المنطقة الحدودية الملتهبة بين إل باسو الأمريكية وخواريز المكسيكية، وهي منطقة معروفة بكونها واحدة من أخطر بؤر حرب المخدرات. يقدم المخرج دينيس فيلنوف قصة عميلة مكتب التحقيقات الفيدرالي “كيت ميسر”، التي تكتشف أن مهمتها السرية تهدف إلى “خلق الفوضى” داخل الكارتلات لخدمة مصالح أمريكية، وليس بالضرورة لتطبيق القانون.

يشرح الفيلم كيف أن الدولة لم تعد تمثل “الخير المطلق” في هذا الصراع، بل أصبحت لاعباً براغماتياً يستخدم وسائل غير تقليدية لتحقيق أهدافه. أحد أبرز المشاهد التي علقت في أذهان الجمهور هو “مشهد جسر الحدود”، الذي يجسد التوتر الكامن قبل انفجار العنف المفاجئ. مشهد النهاية، الذي يتضمن مواجهة باردة على مائدة العشاء، يلخص ببراعة مفهوم “العدالة الخشنة” الذي يقدمه الفيلم.

فيلم “اتجار”.. صراع الألوان

فيلم “اتجار” (Traffic) للمخرج ستيفن سودربيرغ، الصادر عام 2000، يتنقل بين المكسيك وواشنطن وأوهايو، لرسم خريطة معقدة للإدمان والفساد والسياسة. تتشابك القصة بين قاضٍ أمريكي محافظ يعين رئيساً لمكتب مكافحة المخدرات ويكتشف أن ابنته مدمنة، وبين شرطي مكسيكي يحاول الحفاظ على نزاهته في بيئة فاسدة. الفيلم لا يصور صراعاً بسيطاً بين الشرطة والعصابة، بل يكشف عن فشل السياسات الحكومية في معالجة قضية المخدرات كسلاح، بينما هي في جوهرها قضية صحة عامة واقتصاد.

اشتهر الفيلم باستخدامه الفريد للمرشحات اللونية؛ حيث تظهر مشاهد المكسيك بصبغة صفراء حارقة تعكس الفساد والارتباك، بينما تظهر واشنطن بألوان زرقاء باردة توحي بالجمود البيروقراطي. وقد أجمعت غالبية النقاد على أن فيلم “اتجار” هو أول عمل يتجرأ على القول إن الكارتل ليس منظمة خارجية، بل جزء لا يتجزأ من النسيج اليومي للعائلات الأمريكية والسياسيين على حد سواء.

فيلم “الجحيم”.. لا بطل ولا أمل

“الجحيم” (El Infierno)، فيلم عام 2010 للمخرج لويس إسترادا، يقدم وجهة نظر مكسيكية خالصة وواقعية للمأساة. تدور أحداثه في بلدة ريفية مكسيكية تعيش تحت وطأة “الفقر والبارود”، حيث يجد البطل “بيني” نفسه مضطراً للانضمام إلى الكارتل المحلي لتأمين لقمة العيش. يقدم الفيلم هجاءً سياسياً لاذعاً، مصوراً الكارتل ككيان شبه سياسي يحل محل الدولة الغائبة، يوزع الوظائف ويقيم العدالة الخاصة به.

من المشاهد اللافتة مشهد احتفال البلدة بالعيد الوطني وسط جثث معلقة على الجسور، في مفارقة بصرية صارخة. وأشهر ما قيل عن الفيلم هو تصريح المخرج نفسه بأنه عمل بلا بطل ولا أمل، يهدف إلى المواجهة الصادمة مع الواقع. نجح الفيلم في أن يكون مرآة سياسية تفضح اختراق الدولة بالكامل للعصابات، بما أحرج السلطات المكسيكية.

فيلم “ميس بالا”.. المكسيك “الرهينة الكبرى”

فيلم “ميس بالا” (Miss Bala)، عام 2011 للمخرج جيراردو نارانغو، ينجح في إضفاء طابع إنساني على صراع الكارتيلات، من خلال قصة “لورا” الشابة التي تجد نفسها عالقة كأداة في يد زعيم كارتيل. يضع الفيلم المشاهد في موقع الضحية المدني الذي لا يملك خياراً سوى الامتثال، حيث تبدو الدولة والأمن قوتين عاجزتين أو مخترقتين، مما يطمس الحدود بين الشرطة والعصابة. أبرز المشاهد العالقة هو مشهد إطلاق النار في النادي الليلي، الذي ينقل شعوراً بالاختناق والذعر.

وصف الفيلم بأنه قدم زاوية “بدون ثقل وعظي”، وبإيقاع يضع الكاميرا كشاهد مشارك. أكد المخرج أن الفيلم هو محاولة لتصوير “الرهينة الكبرى” وهي المكسيك نفسها، واصفاً المناخ العام بأنه “ذعر جماعي” يعيش فيه الجميع تحت رحمة قوى لا تخضع لأي قانون أو منطق أخلاقي.

فيلم “متوحشون”.. الكارتل ينافس سيادة الدولة

يأخذنا المخرج أوليفر ستون في فيلم “متوحشون” (Savages)، عام 2012، إلى جنوب كاليفورنيا والحدود المكسيكية، مسلطاً الضوء على انتقال عنف الكارتيلات. تدور القصة حول مزارعي ماريجوانا أمريكيين يدخلون في صدام مباشر مع كارتيل مكسيكي. يفكك الفيلم فكرة “العدو البعيد”، ويظهر أن الصراع هو صراع مصالح واقتصاد عابر للحدود، حيث تتصرف جميع الأطراف بـ “توحش”.

لا تبدو الدولة، المتمثلة في وكلاء المخابرات، إلا كسمسار يحاول التوفيق بين القوى المتصارعة بدلاً من القضاء عليها. مشهد “النهاية المزدوجة” المبتكر، الذي يقدم نهاية تراجيدية واقعية تليها نهاية هوليوودية، يترك للمشاهد حرية اختيار المصير المنطقي في عالم يحكمه السلاح والمال. صرح ستون بأن الجميع في هذا الحرب أصبحوا “متوحشين”، مما يجعله وثيقة سينمائية عن “اللاعدالة” الدولية.

مسلسل “ناركوس”.. حكاية بابلو إسكوبار

مسلسل “ناركوس” (Narcos)، بإشراف كريس برانكاتو وكارلو برنار، وبطولة واغنر مورا في دور بابلو إسكوبار وبيدرو باسكال في دور العميل خافيير بينيا، يوثق صعود وسقوط كارتل ميديين في كولومبيا. لا يصور المسلسل إسكوبار كمجرد مهرب، بل كقوة شبه سياسية تملك جيشاً وتبني أحياء سكنية لكسب ولاء الشعب. أبرز المشاهد العالقة هي لحظات إسكوبار وهو يجلس في البرلمان الكولومبي.

كتب عن المسلسل أنه “أعاد تشكيل صورة الناركو في الوعي العالمي”، موضحاً كيف يمكن للكارتل أن ينافس الدولة على السيادة الفعلية والولاء الشعبي عبر تقديم نفسه كمنقذ للفقراء أمام دولة عاجزة. يطرح المسلسل أسئلة جوهرية حول طبيعة القوة وتأثيرها في المجتمعات.

مسلسل “إل تشابو”.. الكارتل كـ “منظومة موازية”

مسلسل “إل تشابو” (El Chapo)، إنتاج نتفليكس ويونيويزيون، وبطولة ماركو دي لا أوه، يتتبع سيرة خواكين “إل تشابو” غوزمان. يركز العمل على العلاقة المعقدة بين نمو الكارتل والفساد السياسي في أعلى مستويات السلطة المكسيكية. أبرز المشاهد هي لحظات هروب “إل تشابو” من السجون شديدة الحراسة، مما يبرز ضعف الأنظمة الأمنية. قيل عن المسلسل إنه يقدم الكارتل كـ “منظومة قوة موازية”، حيث تم تصوير “إل تشابو” كخياط بارع في نسج العلاقات مع رؤساء الدول والوزراء.

مسلسل “ملكة الجنوب”.. اقتصاد عابر للحدود

مسلسل “ملكة الجنوب” (Queen of the South)، بطولة أليس براغا في دور تيريزا ميندوزا، يرصد رحلة امرأة من الفقر إلى قمة الهرم الإجرامي عبر المكسيك وأمريكا وإسبانيا. يحول المسلسل الكارتل إلى فضاء درامي قائم بذاته، له قواعده الاقتصادية الصارمة. القصص هنا لا تتعلق فقط بالرصاص، بل بكيفية إدارة تجارة دولية. المشهد الأهم هو تحول تيريزا من الهروب المذعور إلى الجلوس على عرش القوة، مصوراً الكارتل كـ “اقتصاد ظل عابر للحدود” يتجاوز سلطة الدول.

مسلسل “أوزارك”.. أين الحدود؟

مسلسل “أوزارك” (Ozark)، بطولة وإنتاج جيسون بيتمان، تدور أحداثه في ولاية ميزوري، متتبعاً عائلة “بيرد” التي تضطر لغسل أموال كارتل مكسيكي. يبرز المسلسل كيف يمتد نفوذ الكارتلات داخل النسيج الاقتصادي والسياسي الأمريكي نفسه، من الفنادق الصغيرة إلى تمويل الحملات الانتخابية. المشهد العالق هو لحظات التفاوض الباردة بين رب الأسرة وزعماء الكارتل في ضواحي أمريكا الهادئة. كشف المسلسل عن “غياب الحدود الواضحة بين الدولة والسوق غير المشروع”، مبيناً أن الكارتل أصبح شريكاً صامتاً في الرأسمالية الأمريكية.

إن استمرار هذه الأعمال الدرامية في الظهور يعكس استمرار الصراع الدائر وتأثيره العميق على المجتمعات. مع تزايد التوترات والقضايا الحدودية، من المتوقع أن تستمر هذه القصص في التطور، مع تساؤلات حول فعالية الاستراتيجيات الحالية لمكافحة المخدرات وتأثيرها على السيادة الوطنية والاستقرار الإقليمي.

شاركها.
Exit mobile version