جنوب لبنان – في تحول مؤثر، تحولت قاعات المسارح في جنوب لبنان إلى ملاذات للعائلات النازحة جراء التصعيد العسكري. يفترش النازحون أرضيات المسارح، وتنتشر بطانياتهم وفرشهم بين المقاعد المبعثرة، بينما تعكس حقائبهم المفتوحة قلة ممتلكات استطاعوا حملها معهم من منازلهم المدمرة، مؤكدين على الدور الجديد لهذه المساحات الثقافية في أوقات الأزمات.

من فضاء للفن إلى مقاومة ثقافية

في مدينة صور، تحول المسرح الوطني، الذي كان في السابق مركزاً للفنون المسرحية، إلى ملجأ مؤقت لمئات العائلات النازحة منذ بدء الحرب. يعتبر مؤسس المسرح، الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي، أن هذا التحول يعكس دوراً اجتماعياً جديداً للمسرح، حيث يشارك في “مقاومة ثقافية” تهدف إلى الحفاظ على الروح المعنوية للمجتمع.

مصطفى عبد الله، نازح من قرية حدودية، يصف تجربته للجزيرة نت قائلاً: “كنت أرى المسرح من الخارج في أيام السلم، واليوم أصبح مكان إقامتي المؤقت.” يعيش هو وعائلته في غرفة التقنيين أعلى المسرح، مؤكدين على تأمين الأساسيات من مأكل ومشرب، لكنهم يحملون همّ انقطاع المواد الأساسية في الجنوب.

صور: نقطة تجمع تحت وطأة هاجس الانقطاع

تُعد صور، كمركز حيوي في جنوب لبنان، وجهة لآلاف العائلات النازحة من القرى الحدودية، وتشهد موجة نزوح داخلي بين أحيائها. تضم المدينة مئات آلاف السكان، وتتميز بمخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وأسواقها، ومؤسساتها التربوية والصحية والمصرفية، مما يجعلها نقطة تجمع رئيسية.

أمل شعبان، نازحة قررت الانتقال إلى المسرح الوطني، تحدثت عن الوضع قائلة: “أنا وأهلي نتخذ من غرفة التقنيين مكاناً للنوم.” رغم تأمين الأساسيات، يشير النازحون إلى قلقهم المستمر بشأن توفر المواد الاستهلاكية نظراً لموقع الجنوب، مقارنة بمراكز الإيواء في بيروت والمناطق الأخرى الأكثر أماناً.

متنفس للمقهورين

لطالما سعى المسرح الوطني في صور، منذ إعادة تفعيله، إلى تقديم عروض شبه مجانية تعكس هموم المجتمع وتفتح أبواب الفن لجميع الطبقات. وفي ظل الأوضاع الحالية، يتحول هذا المكان إلى “مساحة للتنفس” يأوي إليها النازحون، ويجدون فيها مكاناً لورش تدريبية وعروض مسرحية، وإن كانت هذه المرة تُشاهد من فوق الفرش بدلاً من المقاعد.

يؤكد إسطنبولي أن المسرح مفتوح للجميع، لبنانيين وأجانب، معتبراً أن المسرح بدون ناسه ومجتمعه “مزيف ولا قيمة له”. هذه المبادرة تعكس قدرة المجتمع اللبناني على إعادة توظيف المسارح والمساحات الثقافية لخدمة الإنسان في أوقات الحرب.

قلة الأماكن الثقافية

في جنوب لبنان، كما في باقي مناطق البلاد، تشكل قلة المراكز الثقافية والفنية، كالمسارح والمكتبات العامة، تحدياً أمام وصول الجمهور إلى الفن حتى في أوقات السلم. هذا النقص يجعل تحول المسرح الوطني إلى مأوى للنازحين، يخلق ذاكرة جماعية جديدة ويربط الناس بالثقافة في ظروف قاسية. الأطفال يلعبون بين الكواليس ويتنافسون في حفظ أسماء المسرحيات القديمة المعروضة على جدار المسرح، مؤكدين على استمرار الروح الثقافية رغم الظروف.

تهديد للأماكن الثقافية والتراثية

يجد النازحون في المسرح مكاناً آمناً مقارنة بالمواقع الأخرى المهددة بالقصف المباشر من قبل الجيش الإسرائيلي. يشمل هذا التهديد معالم ثقافية وأثرية مدرجة على لائحة اليونسكو للحماية، مثل آثار مدينة صور وقلعتي بعلبك، التي تقع قرب مناطق القصف. تشكل هذه المواقع جزءاً هاماً من التراث اللبناني، ويؤكد وضعها الهش على خطورة الحروب على المعرفة والثقافة.

مع استمرار الأوضاع، يبقى مصير هذه المرافق الثقافية والطبيعة المتغيرة لدورها في خدمة المجتمع اللبناني أمراً جديراً بالمتابعة.

شاركها.
Exit mobile version