منذ 25 عامًا، يصدح صوت الشيخ محمد محمود من مآذن الجامع الأموي في دمشق، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المكان وصروحه العريقة. لم يكن الأذان مجرد وظيفة لديه، بل ميراثًا عائليًا عميقًا وتجسيدًا لرسالة تتوارثها الأجيال.
أكد الشيخ محمد، في حديثه للجزيرة مباشر، أنه ورث مهنة الأذان عن أبيه وجده، مشددًا على أن الصوت الذي يعلو من مآذن الجامع هو امتداد لذاكرة عائلته. لم يعتبر الأذان خيارًا مهنيًا، بل قدرًا نبيلًا نشأ عليه، وشاهد فيه استمرارية لاسم العائلة ورسالتها السامية.
تاريخ وجذور الأذان في الجامع الأموي
يمتد ارتباط الشيخ محمد بالجامع الأموي إلى ما وراء الروتين اليومي. يقضي معظم وقته داخل الجامع، الذي يعرف أروقته وساحاته عن ظهر قلب. يشعر كيف يتغير صدى صوته بين الصباح والمساء، وكيف تتفاعل أحجار المكان العتيقة مع أشعة الشمس المتباينة.
لا يقاس الزمن داخل الجامع بالساعات، بل بتعاقب الصلوات والتكبيرات. هذا الارتباط الروحي العميق يجعله يشعر بأن صوته يمتزج بكيان الجامع العريق، ليصبح جزءًا من نسيجه التاريخي.
في شهر رمضان المبارك، تكتسي روحانيات الجامع طابعًا خاصًا، حيث تمتلئ الساحات بالمصلين من مختلف الأجناس والأعمار. في هذه اللحظات، يتحول الأذان في نظر الشيخ محمد إلى تجربة حية تتجسد فيها خشوع الشهر الفضيل وهيبة المكان.
بالإضافة إلى دوره كمؤذن، يعد الشيخ محمد عضوًا فاعلًا في الرابطة السورية للمنشدين. يرى في الإنشاد امتدادًا طبيعيًا لرسالته، مؤكدًا أن الصوت الصادق الخارج من القلب يصل إلى القلوب قبل أن يبلغ الآذان.
لحظات مفصلية في تاريخ دمشق وصداها في الجامع الأموي
عند استعراضه لأبرز الأحداث التي عاشها مؤخرًا، يصف الشيخ محمد لحظة سقوط النظام السابق بأنها من أجمل ما شهد. يروي كيف تبادل المؤذنون التهاني، وكيف صدحت بالتكبيرات شوارع دمشق، وامتد صداها من مآذن الجامع الأموي. لم تكن تلك التكبيرات مجرد نداءات اعتيادية، بل تعبيرًا عن لحظة تاريخية شعرت بأنها اندمجت مع روح الجامع العريق.
أشار إلى أن المشهد تغير بشكل جذري بعد ما وصفه بتحرير سوريا، حيث عاد الجامع الأموي لاستقبال جموع غفيرة من الزوار من شتى أنحاء العالم. استعادت الساحات حيويتها، وتنوعت الوجوه واللغات، مما أعاد إلى المكان روحه الجامعة.
بالنسبة للشيخ محمد محمود، لم تكن هذه الوفود مجرد أعداد إضافية من المصلين، بل كانت علامة فارقة على عودة الحياة إلى قلب دمشق، وتأكيدًا على أن الجامع الأموي ما يزال يمثل نقطة التقاء للمحبين والزوار من كل حدب وصوب.
تستمر أصداء الأذان والإنشاد في الجامع الأموي، لتمثل صوتًا حيًا يربط حاضر دمشق بتاريخها العريق، ويشهد على تجدد روحانيات المدينة بمشيئة الله.


