Published On 23/2/2026
يُعدّ السادس من رمضان يوماً ذا أهمية تاريخية عظيمة في الذاكرة الإسلامية، فهو يومٌ ارتبط بأحداث مفصلية شكلت مسار الحضارة الإسلامية، شهدت فيه فتوحات تاريخية، وحركات استراتيجية، وصعود شخصيات تركت بصمات لا تُمحى.
السند.. عبقرية الفتح ومأساة الفاتح
في مثل هذا اليوم من عام 92هـ (711م)، خطّ التاريخ اسم القائد الشاب محمد بن القاسم الثقفي بريشة الفتح. قاد ابن القاسم، الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، جيش المسلمين لعبور مياه السند، ليحقق نصراً مبهراً على الملك داهر، ملك السند آنذاك.
لم تكن هذه المعركة مجرد انتصار عسكري، بل فتحت بوابة انتشار الإسلام في شبه القارة الهندية، وأرست نموذجاً فريداً للتسامح الديني، حيث تمت معاملة الهندوس والبوذيين كـ “أهل ذمة”، مما ساهم في استقرار الحكم الإسلامي في تلك المناطق لعدة قرون.
عزل واعتقال محمد بن القاسم
على الرغم من النجاحات الباهرة، توقفت المسيرة العسكرية المذهلة للشاب محمد بن القاسم بشكل مفاجئ. لم يكن ذلك بسبب هزيمة ميدانية، بل جاء كنتيجة لتغيير سياسي في دمشق، حيث تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة.
كان سليمان بن عبد الملك يحمل ضغينة شديدة تجاه الحجاج بن يوسف الثقفي، والي محمد بن القاسم وابن عمه. ونظراً لوفاة الحجاج قبل تولّي سليمان للخلافة، وجّه الخليفة الجديد غضبه نحو كل من له صلة بالحجاج.
بأمر من الخليفة الجديد، عُزل محمد بن القاسم فوراً عن ولايته وأُرسل مكبلاً بالحديد. استجاب محمد بن القاسم للأمر بقوله الشهير: “لا أهدم ما بنيتُ من طاعة أمير المؤمنين”.
نُقل محمد بن القاسم إلى العراق، وسُلّم إلى والي العراق الجديد صالح بن عبد الرحمن، الذي كان الحجاج قد قتل أخاه سابقاً، مما دفعه للانتقام من الشاب الذي لم يكن قد بلغ الرابعة والعشرين بعد.
أُودع ابن القاسم في سجن مدينة واسط، وتعرض لتعذيب قاسٍ، حتى فارق الحياة في عام 96هـ (714م). شكلت نهاية ابن القاسم مأساة شخصية، لكن إنجازاته تركت بصمة دائمة.
عمورية.. حين تحركت الجاهية لكرامة امرأة
في عام 223هـ (838م)، شهد التاريخ تحركاً عسكرياً عباسياً ضخماً قاده الخليفة المعتصم بالله، استهدف عمق الإمبراطورية البيزنطية. لم يكن هذا التحرك مجرد استجابة لنداء امرأة مسلمة كما شاع، بل كان قراراً استراتيجياً لاستعادة هيبة الدولة الإسلامية.
جاءت الحملة رداً حاسماً على اجتياح الإمبراطور البيزنطي “توفار” لمدينة “زبطرة”، حيث ارتكب جيشه فظائع شملت سبي النساء والتمثيل بالأسرى، في محاولة لزعزعة استقرار الدولة العباسية.
بفتح عمورية، معقل الإمدادات البيزنطية في الأناضول، حطم المعتصم مقولة المنجمين الذين تنبأوا بالهزيمة. أثبت الخليفة أن كرامة الرعية هي دافعه الأول، كما جسّد الشاعر أبو تمام هذا الموقف بقوله: “السيف أصدق أنباء من الكتب”.
سقوط الرها.. زلزال يضرب الممالك الصليبية
في عام 539هـ (1144م)، شهد السادس من رمضان بداية النهاية للوجود الصليبي في الشرق. أطبق القائد عماد الدين زنكي الحصار على مدينة الرها، مكنه من استرداد المدينة.
لم يكن استرداد الرها مجرد نصر عسكري، بل كان سقوطاً لأول إمارة صليبية تأسست في الشرق عام 1099م. هز هذا الحدث عروش أوروبا وأشعل فتيل الحملة الصليبية الثانية، ممهداً الطريق لصعود نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي.
ابن الهيثم.. محطات العلم وادعاء الجنون
في عام 395هـ (1004م) تقريباً، وصل العالم الشهير ابن الهيثم إلى مصر بدعوة من الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، بعدما شاعت مقولته حول إمكانية التحكم في نهر النيل.
بعد معاينته الميدانية، أدرك ابن الهيثم أن إمكانيات عصره لا تسمح بتنفيذ مشروعه الطموح للتحكم في النيل. اعتذر للخليفة، وخشيةً من بطشه، اضطر إلى ادعاء الجنون والاختباء في منزله حتى وفاة الخليفة.
تفرغ ابن الهيثم بعد ذلك لإبداعاته العلمية في البصريات والرياضيات، تاركاً إرثاً علمياً خالداً.
رحيل الخديوي إسماعيل
في السادس من رمضان عام 1312هـ (1895م)، رحل الخديوي إسماعيل عن عالم الحياة في منفاه بقصر إميرغان في إسطنبول. نُقل جثمانه إلى مصر ليدفن في جامع الرفاعي الذي أسسه.
كان إسماعيل قد حلم بأن تصبح مصر “قطعة من أوروبا”، لكنه انتهى به المطاف معزولاً بضغط دولي، ضحيةً للتحولات الدولية والديون التي أثقلت كاهل البلاد وأدت إلى التدخل الأجنبي والاحتلال البريطاني.
تستمر هذه الأحداث التاريخية في إلهام الأجيال، مع ترقب الأبحاث المستقبلية التي قد تكشف المزيد عن تفاصيل هذه الحقبات الهامة.


