هزّ قرار المحكمة العليا في أمريكا بإبطال جزء كبير من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب المشهد التجاري العالمي، وأثار تساؤلات واسعة بشأن مصير سلسلة اتفاقات أبرمتها إدارته خلال الأشهر الماضية مع شركاء تجاريين كبار، وفق ما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز” يوم 21 فبراير 2026.
وقضت المحكمة بأن استخدام ترمب لقانون الطوارئ الاقتصادية الصادر عام 1977 لفرض رسوم “متبادلة” على حلفاء وخصوم على حد سواء يتجاوز صلاحياته الدستورية. هذا القرار ألقى بظلال من الشك على اتفاقات خفّضت بموجبها بعض الدول رسوماً كانت ستبلغ مستويات أعلى، مقابل تعهدات استثمارية وتجارية لصالح أمريكا.
الصين.. تفكيك جزئي لطبقات الرسوم
وتُعد الصين الهدف الرئيسي للحرب التجارية التي يقودها ترمب. وأوضحت “نيويورك تايمز” أن الرسوم المفروضة على الصادرات الصينية تتكوّن من طبقات متعددة “تُعامل بوصفها تراكُمية”، ما يرفع العبء الجمركي على بعض السلع إلى مستويات مرتفعة.
ألغى حكم المحكمة طبقات تشمل تعرفة عامة بنسبة 10%، وأخرى بنسبة 10% مرتبطة بمسألة تدفق مادة الفنتانيل إلى أمريكا. لكن طبقات أخرى بقيت قائمة، منها رسوم بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، ورسوم لا تقل عن 50% على العديد من منتجات الصلب والألمنيوم.
وأشارت الصحيفة إلى أن صادرات الصين إلى أمريكا تراجعت بنحو الخُمس العام الماضي بفعل الرسوم. ولجأت شركات صينية إلى تجميع منتجاتها نهائياً في دول أخرى لتفادي الرسوم المفروضة مباشرة على السلع القادمة من الصين.
الاتحاد الأوروبي.. اتفاق معلّق
وكان الاتحاد الأوروبي قد أبرم اتفاقاً يحدد سقف الرسوم عند 15%. وتضمن هذا الاتفاق التزاماً أوروبياً بشراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار، وزيادة الاستثمارات في أمريكا بنحو 600 مليار دولار.
غير أن تنفيذ الاتفاق تعثر جزئياً بسبب تهديدات ترمب بفرض رسوم أعلى على دول أوروبية. ودعت اتحادات صناعية ألمانية المفوضية الأوروبية إلى التواصل سريعاً مع واشنطن “للحصول على وضوح”، مشددة على حاجة الشركات إلى بيئة تجارية مستقرة.
كندا والمكسيك.. تأثير محدود
قرار المحكمة يؤثر على عدد محدود من الرسوم المفروضة على كندا. نحو 90% من صادراتها تدخل أمريكا من دون رسوم بموجب اتفاق التجارة بين أمريكا والمكسيك وكندا (USMCA). لكن رسوماً قطاعية على الصلب والألمنيوم ومنتجات الغابات ما زالت قائمة.
أما المكسيك، التي يُعفى أكثر من 80% من صادراتها بموجب الاتفاق ذاته، فلن تتأثر رسومها القطاعية أيضاً. وهذا يشمل الصلب والألمنيوم والشاحنات الثقيلة والأخشاب.
جنوب شرق آسيا.. ارتياح حذر
هدّد ترمب العام الماضي بفرض رسوم مرتفعة للغاية على دول في جنوب شرق آسيا، بلغت 49% على كمبوديا، و46% على فيتنام. لكنه خفّضها لاحقاً إلى مستويات تقارب 19% ضمن أطر اتفاقات جديدة.
تعد المنطقة مركزاً لتصنيع الأحذية والأثاث والملابس للسوق الأميركية. وقد انتقلت شركات عالمية إليها لتجنب الرسوم المرتفعة على الصين.
كوريا الجنوبية واليابان.. التزامات استثمارية ضخمة
توصلت سيول إلى اتفاق يحدد الرسوم عند 15% بدلاً من 25%. جاء هذا الاتفاق مقابل التزام باستثمار يصل إلى 350 مليار دولار في أمريكا. لكن ترمب لوّح بإعادة الرسوم إلى 25% بحجة بطء التصديق البرلماني.
أما اليابان، فوافقت ضمن إطار أُنجز في يوليو/تموز على تمويل مشاريع بقيمة 550 مليار دولار في أمريكا. الدفعة الأولى من الاستثمارات بلغت 36 مليار دولار، معظمها يذهب إلى محطة طاقة تعمل بالغاز الطبيعي.
الهند وتايوان وبريطانيا.. صفقات بشروط معقدة
أنهى ترمب في مارس/آذار رسوماً عقابية بنسبة 50% على الهند، واستبدلها بتعرفة 18%. جاء هذا مقابل التزام نيودلهي بشراء سلع أميركية بقيمة 500 مليار دولار خلال خمس سنوات. لكن قضايا حساسة، مثل واردات النفط الروسي والزراعة، ما زالت مطروحة.
أبرمت تايوان اتفاقاً يقضي باستثمار 250 مليار دولار في صناعات أشباه الموصلات والتكنولوجيا في أمريكا. جاء هذا مقابل تعرفة 15%، وبعد ست زيارات تفاوضية إلى واشنطن.
في المقابل، كانت بريطانيا أول من وقّع اتفاقاً مع ترمب. خفّض هذا الاتفاق الرسوم على السيارات وحدد تعرفة أساسية إضافية بنسبة 10% على معظم السلع. لكن خلافات لا تزال قائمة بشأن الصلب والزراعة والضرائب الرقمية.
وبينما تبقى بعض الرسوم قائمة وتُلغى أخرى، ترى “نيويورك تايمز” أن المشهد التجاري العالمي يدخل مرحلة جديدة من الغموض. يؤكد ترمب عزمه على استخدام أدوات قانونية بديلة للحفاظ على نهجه الجمركي، مما يثير تساؤلات حول استقرار الأوضاع الاقتصادية المستقبلية.



