أسواق النفط تترقب تصعيدًا جيوسياسيًا.. خام برنت يحقق أقوى بداية سنوية منذ 2022
تسارعت وتيرة التحوّط في أسواق النفط العالمية مع تصاعد المخاوف الجيوسياسية، وذلك بعدما سجّل خام برنت القياسي أقوى بداية سنوية له منذ عام 2022. تأتي هذه التطورات مدفوعة باضطرابات في الإمدادات وعقوبات مفاجئة قلبت توقعات السوق بفائض المعروض، حسبما أوردت وكالة بلومبيرغ في تقرير حديث.
ارتفع خام برنت بنحو 18% منذ نهاية العام الماضي، ليلامس مستوى يفوق 72 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى له في سبعة أشهر. ويرى بعض المحللين أن هناك “علاوة مخاطر” قد تصل إلى 10 دولارات للبرميل، مما يعكس حالة عدم اليقين السائدة في السوق.
تحوّط من سيناريو الضربة
دفعت احتمالات أن تشن الولايات المتحدة ضربات جديدة ضد إيران المتعاملين إلى تكثيف أنشطة التحوّط في أسواق العقود الآجلة والخيارات. وقد ساهم هذا الأمر في دعم الأسعار بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية.
وأشارت بلومبيرغ إلى أن عدد عقود برنت الآجلة المفتوحة بلغ مستوى قياسيًا هذا العام، في حين شهد شهر يناير/كانون الثاني الماضي تداولًا قياسيًا في عقود الخيارات للتحوّط من موجة صعود إضافية محتملة في الأسعار.
وقال المستشار المخضرم في قطاع النفط ومدير صندوق “بلاك غولد إنفستورز” غاري روس، إن “لديك حربًا محتملة، وهذا هو العامل الطاغي، لكنه يأتي إضافة إلى سوق أكثر شحًا مما كان يتوقعه الناس”. وأضاف روس: “كنت سأربط حزام الأمان، ولن أرغب في البيع على المكشوف في هذه السوق”.
أضيق من المتوقع
قبل أسابيع قليلة، كان تركيز المتعاملين ينصب على توقعات بفائض قياسي في المعروض النفطي. إلا أن اضطرابات جوية في أمريكا وكازاخستان، إلى جانب عزوف عن شراء النفط الخاضع للعقوبات، قد غيّرت المشهد بشكل كبير.
وأوضحت بلومبيرغ أن هذه العوامل تزامنت مع مخاطر جيوسياسية بدأت في فنزويلا وامتدت إلى إيران، وهي منطقة حيوية يمر عبرها نحو ربع تجارة النفط البحرية عالميًا.
وقال رئيس التحليل الجيوسياسي في “ريستاد إنرجي” خورخي ليون إن “احتمال الضربات (الأمريكية) المحدودة والردود المحدودة من إيران يبدو أقل ترجيحًا هذه المرة”. وأضاف ليون: “نجح ذلك العام الماضي، لكن الآن أشعر أن الأمر، إما اتفاق نووي أو تصعيد أوسع، وليس شيئًا في المنتصف”.
ورغم هذه التطورات، لم ترتفع أسعار النفط بوتيرة أكبر، مما يشير إلى استمرار اتساع الإنتاج العالمي. فقد رفعت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وحلفاؤها الإنتاج تدريجيًا العام الماضي، كما بلغ الإنتاج خارج المجموعة مستوى قياسيًا. وتُشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن إجمالي الإنتاج العالمي قد يصل إلى 108 ملايين برميل يوميًا بنهاية عام 2025.
اضطرابات سريعة التأثير
مع بداية يناير/كانون الثاني، هبطت صادرات خام “سي بي سي بليند” من كازاخستان إلى أدنى مستوى لها في نحو عقد. جاء ذلك نتيجة مزيج من هجمات بطائرات مسيّرة، وأعمال صيانة، وأضرار في منشأة إنتاج، وسوء أحوال الطقس، وذلك حسبما ذكرت بلومبيرغ.
في الوقت نفسه، أدّت موجة برد شديدة في أمريكا إلى تسجيل اثنين من أكبر أربعة تراجعات في مخزونات النفط الأمريكية خلال هذا القرن. فقد انخفضت المخزونات بنحو 9 ملايين برميل الأسبوع الماضي.
ورغم تعافي الإنتاج لاحقًا في أمريكا وكازاخستان، ساهمت هذه الاضطرابات في تقليص المخزونات الغربية في وقت كان يُتوقع أن ترتفع فيه بشكل سريع.
مضيق هرمز في الواجهة
يراقب المتعاملون في السوق الفعلية تطورات الوضع في إيران عن كثب. وقد بدأت بعض المصافي في آسيا، وهي أكبر مناطق الاستهلاك، في الاستفسار عن شحنات من خارج الخليج تحسبًا لأي انقطاع محتمل للإمدادات، وفقًا لبلومبيرغ.
كما ارتفعت عوائد ناقلات النفط العملاقة إلى أكثر من 150 ألف دولار يوميًا، وهو أعلى مستوى لها منذ جائحة فيروس كورونا، حين استُخدمت هذه السفن لتخزين فائض البراميل غير المرغوبة. وتعززت الأجور أيضًا بعد إعلان إيران هذا الأسبوع أنها أغلقت لفترة وجيزة جزءًا من مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس الإمدادات العالمية المنقولة بحرًا.
وقال مدير محافظ في “تورتويز كابيتال أدفايزرز” روب ثومل: “حالياً، ينصب التركيز بالكامل تقريبًا على إيران، وما سيحدث مع مضيق هرمز”. وأضاف: “هذا هو السؤال الذي يساوي مليار دولار”.
ماذا بعد؟
يبقى الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وخاصة التطورات المتعلقة بإيران ومضيق هرمز، هو المحور الرئيسي الذي سيحدد مسار أسعار النفط في الفترة المقبلة. وتشير التوقعات إلى ترقب المستثمرين لأي مؤشرات على تصعيد أو تهدئة، مع استمرار الاضطرابات في الإمدادات كعامل داعم للأسعار.



