غزة- في يوم العمال العالمي، يكشف الواقع المرير الذي يعيشه عمال غزة عن صورة قاتمة للبطالة والتشريد، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية التي دمرت سبل العيش وانهارت معها المدخرات. شادي شويخ، الذي كان مقاول بناء يدير فريقًا من 60 عاملًا، يجد نفسه اليوم ينتظر وجبة طعام مجانية، بعد أن فقد 9 من أمهر حرفييه واستشهدوا، ودُمر منزله، وتبخرت أمواله.
هذا المشهد المأساوي ليس استثناءً، بل عنوانًا لمأساة آلاف العمال في قطاع غزة الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، ليتحول يوم العمال من احتفال بالحقوق إلى تذكير بآلام الفقد والبطالة القسرية. الوضع الاقتصادي في القطاع وصل إلى مستويات كارثية، حيث تقدر نسبة البطالة بنحو 85%، والفقر يتجاوز 90% بين العمال.
استنزاف المدخرات والنزوح من أجل البقاء
شادي شويخ، مقاول البناء السابق، يعيش الآن في خيمة مع أسرته المكونة من 7 أفراد. بعد تدمير منزله في حي الشجاعية وخسارة ما يقرب من 50 ألف شيكل، توقف تمامًا عن العمل. رغم ذلك، يحافظ على تواصله مع عماله الذين نجوا، بدافع الود والعشرة، على أمل يحدوه أن تبدأ عملية إعادة إعمار القطاع قريبًا لتوفير فرص عمل جديدة.
على غرار شويخ، يواجه الحداد جميل عرفات نفس المصير. فقد عرفات ورشته ومنزله في حي الزيتون، وانتقل مع أسرته المكونة من 12 فردًا إلى مركز إيواء. قبل الحرب، كان يحصل على دخل ثابت يمكّنه من إعالة أسرته، أما اليوم فيعتمد على مساعدات محدودة من أشقائه أو أعمال متفرقة لا تلبي احتياجات أسرته الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار.
محاولات عرفات لإيجاد بدائل، مثل فتح بسطة لبيع المواد الغذائية، باءت بالفشل بسبب نقص البضائع وارتفاع أسعارها، وضعف القدرة الشرائية للسكان. تتفاقم صعوبات حياته اليومية في مركز الإيواء، خاصة مع إدارة احتياجات أسرة كبيرة بموارد محدودة وغير منتظمة.
نزوح وهدم وبطالة قسرية
عبد الله حبيب، عامل آخر نزح من حي الشجاعية، يعيش مع أسرته المكونة من 8 أفراد في غرب مدينة غزة. حياته قبل الحرب كانت تعتمد على أعمال حرة متفرقة، لكن الحرب قلبت واقعه رأسًا على عقب. تضرر حبيب بدوره من تدمير منزله، كما أصيب في كتفه، مما حال دون استمراره في العمل بشكل مباشر.
يعتمد حبيب حاليًا على أبنائه الذين يعملون في تعبئة وبيع المياه للنازحين مقابل دخل يومي زهيد. يصف الوضع المالي والمعيشي لأسرته بأنه “تحت الصفر”، نظرًا لتوقف الدخل وانعدام القدرة على تغطية الاحتياجات الأساسية.
يوسف فطّوم، من سكان حي التفاح، يعيش في خيمة وسط مدينة غزة مع أسرته المكونة من ستة أفراد، بعد تدمير منزله. كان يعمل بائعًا في السوق، لكن الحرب أوقفت نشاطه التجاري وجعلته يعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات ووجبات التكايا. يعاني فطّوم من مشاكل صحية تحد من قدرته على العمل، ويشكو من غياب رأس المال والسيولة النقدية وضعف حركة البيع والشراء في السوق الحالي.
يقدّر فطّوم أن أسرته تحتاج 50 شيكلاً يوميًا على الأقل لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، وهو مبلغ غير متوفر. يدعو الجهات المانحة إلى إطلاق برامج تشغيلية لمساعدة العمال على تأمين دخل يومي يضمن الحد الأدنى من المعيشة.
وجع الفقد والبطالة
ممدوح محيسن، عامل بناء سابق من حي الشجاعية، كان يتقاضى 35 دولارًا يوميًا، أما اليوم فيكاد بالكاد يحصل على قوت يومه. فقد محيسن منزله وأصبح يعيش في خيمة بمركز إيواء مع أسرته المكونة من 4 أفراد. اضطر لبيع مقتنياته لتغطية الاحتياجات الأساسية بعد نفاد مدخراته بالكامل.
في يوم العمال، لا يقتصر وجع محيسن على فقدان مصدر دخله، بل يمتد إلى فقدان ثلاثة من زملائه في العمل الذين استشهدوا. يصف الوضع الحالي بأنه يزداد صعوبة مع مرور الوقت، في ظل غياب فرص العمل.
بالأرقام.. انهيار شبه كامل
سامي العمصي، رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في قطاع غزة، يقدم قراءة رقمية للوضع الكارثي لسوق العمل. يوضح أن العدوان الإسرائيلي واستهداف المنشآت الاقتصادية أديا إلى انهيار شبه كامل في البنية التشغيلية، حيث تصل نسبة البطالة إلى 80-85%، وتتجاوز نسبة الفقر حاجز الـ90%. يُقدر عدد العاطلين عن العمل بنحو 400 ألف عامل، مقارنة بـ180-200 ألف قبل الحرب.
في قطاع الصيد، انخفض عدد الصيادين من 5 آلاف إلى نحو 500 فقط، مع تقلص مساحة الصيد بشكل كبير. أما القطاع الزراعي، فقد جُرفت أكثر من 95% من الأراضي الزراعية، مما أدى إلى تراجع العمالة من 35 ألفًا إلى نحو ألفي عامل.
يشير العمصي إلى أن قطاع الإنشاءات متوقف عمليًا، بعد أن كان يشغّل 40 ألف عامل، وشهد قطاع الصناعات تراجعًا مماثلًا. يعتمد العمال حاليًا على المساعدات المباشرة في ظل غياب شبه كامل لفرص العمل، ويعملون بأجور أقل بكثير من الحد الأدنى السابق.
بلغت الخسائر البشرية أكثر من 10 آلاف شهيد من العمال، وفق تقديرات أولية. يجري العمل حاليًا لتحديث البيانات حول الشهداء والجرحى والمعتقلين، وسيتم إطلاق منصة خاصة بذلك في الأول من مايو.


