كشفت نتائج صادمة في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان، الذي عُقد في الفترة من 17 إلى 22 أبريل/نيسان 2026، عن وجود علاقة محتملة تربط بين الأطعمة الصحية وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى الأشخاص دون سن الخمسين من غير المدخنين. ورغم أن هذه النتائج لا تعني أن الغذاء الصحي يسبب المرض، إلا أنها تفتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول دور عوامل بيئية خفية، مثل بقايا المبيدات، في تفسير تزايد حالات سرطان الرئة بين غير المدخنين.
أجرت مجموعة باحثين بقيادة طبيب الأورام المتخصص في سرطان الرئة، جورج ناييفا، من مركز USC Norris الشامل لأبحاث السرطان بجامعة كاليفورنيا، دراسة حللت بيانات 187 مريضاً بسرطان الرئة غير صغير الخلايا (NSCLC) تتراوح أعمارهم بين 18 و50 عاماً. هدفت الدراسة إلى فهم العلاقة بين زيادة أعداد المصابات بسرطان الرئة من غير المدخنات، وتناول الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة.
المبيدات الحشرية قد تكشف العلاقة الغامضة
أكدت الدراسة أن الأنظمة الغذائية لمرضى سرطان الرئة من غير المدخنين، ولا سيما النساء، كانت تميل إلى الاعتماد بشكل كبير على الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة. وتشير الأبحاث السابقة إلى أن هذه المحاصيل الزراعية واسعة الانتشار قد تكون أكثر عرضة للتلوث ببقايا مبيدات الآفات.
بناءً على هذه الملاحظات، طرح الباحثون فرضية أن عوامل أخرى غير التدخين، بما في ذلك النظام الغذائي والتعرض البيئي للملوثات، قد تلعب دوراً في تطور سرطان الرئة. تفتح هذه النتائج مجالاً جديداً للبحث في العوامل البيئية التي قد تسهم في ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الرئة بين النساء، مثل التعرض المحتمل لمبيدات الآفات.
ومع ذلك، يشدد الباحثون على الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد هذه الفرضيات. اعتمدت الدراسة الحالية على تقديرات لمستويات المبيدات في الأطعمة بناءً على أبحاث سابقة، ويقترح الفريق البحثي الانتقال إلى أساليب قياس أدق، مثل تحليل عينات الدم أو البول لتحديد مستوى المواد الكيميائية المتراكمة في الجسم.
وأشار الدكتور ناييفا إلى أن هذه الخطوة ستكون حاسمة لفهم العلاقة بشكل أوضح بين النظام الغذائي، والتعرض الكيميائي، وخطر الإصابة بالمرض.
علاقة المبيدات بسرطان الرئة
تشير الإحصائيات العالمية إلى أن النساء غير المدخنات أكثر عرضة للإصابة بسرطان الرئة مقارنة بالرجال غير المدخنين. تشكل النساء غير المدخنات أكثر من 50% من المصابات بسرطان الرئة، مما دفع الباحثين إلى دراسة عوامل متعددة قد تفسر هذه الظاهرة.
في سياق متصل، أظهرت دراسة أمريكية أجريت بين عامي 1986 و1991، أن التعرض للمبيدات الحشرية في بيئة العمل يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة لديها المصابات، بما يقارب 2.4 ضعف مقارنة بالمجموعة الضابطة.
كما توصلت دراسة كورية جنوبية نُشرت عام 2021، والتي تابعت 7,471 مريضاً، إلى وجود علاقة قوية بين التعرض للمبيدات الحشرية وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الرئة. يعتقد الباحثون أن المواد الكيميائية الموجودة في المبيدات قد تحدث تغيرات خلوية تؤدي إلى نمو الأنسجة السرطانية.
لكن هذه الدراسات تشير أيضاً إلى احتمالية وجود عوامل أخرى خفية لم يتم كشفها بعد، والحاجة لتقييم تأثير مدة وشدة التعرض للمبيدات على تطور المرض.
نوع المبيد قد يلعب دورا
افترض باحثون صينيون أن نوع المبيد الحشري قد يلعب دوراً في زيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة. وقد أظهر تحليل لـ 23 دراسة نشرت عام 2024، أن التعرض للمبيدات الكلورية العضوية (Organochlorine) يرتبط بزيادة احتمالية خطر الإصابة بسرطان الرئة بنسبة 35%.
وأكدت هذه النتائج مراجعة منهجية أخرى أجريت عام 2023، والتي ربطت بين 13 نوعاً من المبيدات الحشرية، جميعها تنتمي للمبيدات الكلورية العضوية، وبين ارتفاع خطر الإصابة بالسرطان.
الأكثر عرضة للمبيدات
في دراسة رصدية طويلة المدى أجرتها جامعة هارفارد وشملت أكثر من 150 ألف امرأة و29 ألف رجل، لم تكشف الأرقام عن علاقة قوية ومباشرة تربط بين تناول الخضراوات والفواكه، بغض النظر عن تركيز بقايا المبيدات فيها، وارتفاع خطر الإصابة بالسرطان، بما في ذلك سرطان الرئة.
ومع ذلك، يشير بعض الباحثين إلى أن البيانات الغذائية قد تحمل نسبة خطأ وأن مستويات المبيدات قُدّرت ولم تُقاس بدقة، مما قد يقلل من مصداقية النتائج. وفي المقابل، تشير دراسة أخرى نشرت عام 2018 إلى أن زيادة استهلاك المنتجات العضوية قد يقلل من خطر الإصابة بالسرطان بشكل عام.
يؤكد الخبراء ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث والتجارب للتحقق من حقيقة تأثير المبيدات الحشرية على الصحة وعلاقتها بخطر الإصابة بسرطان الرئة، خاصة مع استمرار الارتفاع الملحوظ للإصابات بين النساء دون سن الخمسين اللواتي لا يدخنن.


