مع اقتراب عيد الفطر المبارك، تشهد محافظة درعا تحولاً ملحوظاً في عادات ضيافة العيد، حيث يدفع الارتفاع المتواصل في أسعار الحلويات التقليدية والمستوردة العديد من الأسر إلى البحث عن بدائل اقتصادية. في هذا السياق، تعود “الراحة الحورانية” لتتصدر المشهد، مقدمةً خياراً يجمع بين الأصالة والتكلفة المقبولة، لتعكس التحديات الاقتصادية التي تواجه الأهالي.
وقد أثر هذا التغير بشكل مباشر على سوق الحلويات، حيث يلاحظ العاملون في هذا القطاع تراجعاً في الإقبال على الأصناف الفاخرة وزيادة في الطلب على الحلويات الشعبية والمنزلية الصنع. ويسلط هذا التحول الضوء على القدرة الشرائية للأسر وتأثيرها على عادات وتقاليد الاحتفال بالعيد.
تراجع الحلويات الفاخرة وزيادة الطلب على الراحة الحورانية
تؤكد التقارير الواردة من درعا على تزايد الإقبال على “الراحة الحورانية” قبيل عيد الفطر، وذلك لأسباب اقتصادية بحتة. يوضح عبد الرحمن أبو زريق، أحد أصحاب معامل الراحة في درعا، أن سعر الكيلوغرام الواحد من الراحة “الإكسترا” المحشوة بالمكسرات يصل حالياً إلى حوالي 50 ألف ليرة سورية، وهو ما يعادل نحو 4 دولارات أمريكية. هذا السعر يعتبر منافساً قوياً مقارنة بأسعار الحلويات الفاخرة التي تتراوح بين 250 و300 ألف ليرة سورية للكيلوغرام الواحد (ما يقارب 20 إلى 24 دولاراً).
وقد دفع هذا الفارق الكبير في الأسعار أبو زريق إلى زيادة إنتاج معمله بشكل كبير، حيث أصبح ينتج ست طبخات يومياً، كل طبخة تنتج 125 كيلوغراماً، مقارنة بطبخة أو اثنتين في الأيام العادية. وتعود صناعة الراحة الحورانية في درعا إلى خمسينيات القرن الماضي، وقد شهدت طلباً متزايداً مؤخراً ليس فقط في درعا، بل امتد ليشمل محافظات أخرى مثل دمشق واللاذقية وطرطوس وإدلب.
في المقابل، تعكس محال الحلويات الفاخرة صورة مغايرة لهذا الرواج. يشير أبو ياسين الكور، صاحب أحد هذه المحال، إلى تراجع في حركة البيع بنسبة تقارب 60% هذا العام. ويرجع الكور هذا التراجع إلى تغير أولويات الزبائن الذين أصبحوا يركزون بشكل أساسي على السعر، مع عزوف ملحوظ عن شراء الأنواع التي تحتوي على مكسرات. وبدلاً من ذلك، يتجه الزبائن نحو الأصناف الأقل تكلفة مثل “النواشف” كالبرازق والمعمول والغريبة.
ويعزو الكور ارتفاع أسعار الحلويات الفاخرة إلى الزيادة في أسعار المواد الأولية، مثل الفستق والسكر. ويضيف أن هذا الوضع جعل الكثير من الزبائن يبحثون عن بدائل أرخص، سواء بشراء الراحة الحورانية أو حتى إعداد الحلويات في المنزل. وقد أثر هذا الانخفاض في الطلب على حجم الإنتاج، الذي تراجع من طنين في المواسم السابقة إلى أقل من 800 كيلوغرام هذا العام.
المطبخ بديل عن السوق لتوفير التكاليف
لم يقتصر التغيير في عادات ضيافة العيد على خيارات الشراء من السوق فحسب، بل شهدت محافظة درعا عودة لافتة إلى إعداد الحلويات في المنازل. وتجد ميسون الشتيوي، إحدى سيدات درعا، نفسها مضطرة لإعداد أغلب حلويات العيد بنفسها هذا العام بسبب ارتفاع الأسعار. كانت ميسون في السابق تعتمد على إعداد المعمول وشراء بعض الحلويات الجاهزة، لكن الأسعار الحالية دفعتها لتوسيع دائرة إعداد الحلويات المنزلية.
وبحسب ميسون، فإن تكلفة شراء المواد الأولية اللازمة لإعداد أصناف متنوعة مثل البتي فور والبرازق والغريبة والمعمول، بما في ذلك السمن والسكر والطحين وكمية محدودة من الفستق الحلبي، لم تتجاوز 250 ألف ليرة سورية (حوالي 20 دولاراً). وتقدر أن شراء نفس الكمية من السوق قد يكلف أكثر من 600 ألف ليرة سورية (حوالي 48 دولاراً). ورغم الجهد والوقت الذي تتطلبه عملية الإعداد المنزلي، إلا أنها تعتبرها خياراً اقتصادياً فعالاً.
كما لجأت ميسون إلى شراء كيلوغرام واحد من الراحة الحورانية المحشوة بالمكسرات، لتكمل به باقة الحلويات المنزلية، موفرة بذلك خياراً يجمع بين الكلفة المعقولة والطابع التقليدي. وتشير إلى أن قضاء يومين في إعداد الحلويات في المنزل يوفر مبالغ كبيرة مقارنة بشراء الحلويات الجاهزة.
خيارات العيد تتبدل بفعل الظروف الاقتصادية
تؤكد شهادات الأهالي في درعا على التغيير العميق في منظومة ضيافة العيد، حيث أصبحت القرارات الشرائية تحكمها بشكل أساسي القدرة الشرائية المتاحة. يذكر عبد الإله الزعبي، من سكان درعا، أنه لم يكن يعتمد على الراحة الحورانية في ضيافته التقليدية سابقاً، لكنه اضطر إلى اختيارها هذا العام بسبب ارتفاع الأسعار. وقال الزعبي إنه في السنوات الماضية كان يشتري عدة أنواع من الحلويات، ولكنه اليوم يكتفي بالراحة الحورانية، مع احتمال إعداد المعمول في المنزل لتقليل التكاليف، التي قد تنخفض إلى النصف مقارنة بشراء الحلويات الجاهزة.
وأضاف الزعبي أن هذا الخيار، رغم اعتباره جديداً عليه، إلا أنه يلبي أجواء العيد، مشيراً إلى أن العديد من جيرانه وأقاربه اتخذوا نفس التوجه. وأوضح أن الأهالي بدأوا قبل سنوات بتقليل كميات الحلويات وشراء عبوات أصغر، إلا أن الارتفاع الحاد في الأسعار هذا العام فرض تغييرات أوسع وأكثر تأثيراً على عادات الضيافة والمعاملات الاجتماعية المرتبطة بالعيد.
وتعكس هذه التغيرات أن الظروف الاقتصادية الراهنة في درعا تؤثر بشكل مباشر على إعادة تشكيل طقوس ضيافة العيد. فبينما تفرض تحديات ارتفاع الأسعار خيارات جديدة، تعود الحلويات الشعبية التقليدية، مثل الراحة الحورانية، لتستعيد مكانتها، مقدمةً توازناً بين التكلفة المعقولة والحفاظ على روح الاحتفال بالعيد.
من المتوقع أن تستمر هذه الاتجاهات في التشكل مع اقتراب الأعياد القادمة، ويبقى السؤال حول مدى استدامة هذه البدائل الاقتصادية وتأثيرها على القطاعات التجارية والاجتماعية المرتبطة بالمناسبات.


