بيروت – في سياق يستعد فيه المسلمون لاستقبال شهر رمضان المبارك، تتزين المدينة الرياضية في بيروت بفعالية مجتمعية فريدة، تجمع بين تقاليد “السيبانة” الأصيلة والأجواء الاحتفالية الهادئة التي تسبق الشهر الفضيل. تهدف هذه المبادرة، التي تقام هذا العام في 20 فبراير 2026، إلى تعزيز الترابط الاجتماعي وإعادة إحياء روح المشاركة والتكافل بين أفراد المجتمع، بعيداً عن مظاهر البهرجة المبالغ فيها.
تتميز الفعالية بتوزيعها العفوي للأركان، حيث تزين فوانيس رمضان وطيف من الألوان الدافئة المكان، بينما يتجول الأطفال بفضول بين الطاولات، مستفسرين عن معاني رمضان وقيمه. لا تقتصر هذه التظاهرة على الجانب الترفيهي، بل تتجلى كلوحة اجتماعية تعكس حاجة الناس الملحة لمساحات مشتركة تعيد وصلهم ببعضهم البعض في خضم الحياة اليومية المتسارعة. هنا، يتجسد رمضان كعمل جماعي يتقاطع فيه الفرح مع جوهر المشاركة.
طقس الوداع واللقاء
من بين الأركان البارزة، تعرض بيسان ضو، صاحبة “خيال” للأشغال اليدوية، إبداعاتها من الدفاتر المصممة يدوياً. تنطلق شغف بيسان من فكرة بسيطة لتتحول إلى أعمال فنية تحمل عبارات ذات روح دينية خفيفة وإضافات شخصية. يعكس “دفتر عبادة رمضان” الذي تقدمه، بتصميمه الأنيق وبساطته، الرغبة في مرافقة الأفراد بهدوء وثبات طوال الشهر، بما يحتويه من مساحات لتتبع العبادات والصلوات والأهداف اليومية، مختتماً بأذكار وحكم وآيات قرآنية منتقاة.
بالقرب منها، تنشط عروض مسرحية وأنشطة تفاعلية موجهة للأطفال، أعدها فريق متخصص باللغتين العربية والإنجليزية. تشمل هذه الأنشطة “القرص الدوّار” لاختبار معرفة الأطفال برمضان، وألعاب تربط الأحاديث بالصور، إضافة إلى ورش تعليمية قائمة على التعلم التفاعلي. تهدف هذه المبادرات إلى تحويل المعرفة إلى لعبة ممتعة، واللعبة إلى درس خفيف الظل، مما يساهم في تعزيز ارتباط الأطفال بقيم الشهر الفضيل.
يعكس هذا التنوع في الفعاليات الإقبال الواسع الذي شهدته المدينة الرياضية، حيث أربك حجم المشاركة المنظمين أحياناً. يبرز التفاعل الواضح في عيون الأطفال المتابعين للعروض، وتصفيق الأهالي الذين وجدوا في هذه الفعالية فرصة جامعة بين الترفيه وتعزيز القيم الرمضانية، دون فرض خطابات مباشرة أو مبالغة في تقديم الرسائل.
منذ عام 2013، يسعى القائمون على حدث “فانوسي” إلى إدخال الفرح إلى قلوب أهالي بيروت قبيل حلول شهر رمضان. يتضمن المهرجان المجاني والمفتوح للجميع مشاركة من جمعيات أهلية وكشافة محلية، بهدف صناعة حدث واسع يجذب أكبر عدد من العائلات ويعيد للأماكن العامة شيئاً من بهجتها الموسمية. وأكد مروان فرعون، المنتج التنفيذي للفعالية، أن كثيراً من الأهالي يحرصون على اصطحاب أطفالهم لشراء زينة رمضان والتعرف إلى أجواء الشهر الكريم، واقتناء الكتب ومستلزماته، في فعالية أصبحت موعداً سنوياً لتعزيز ارتباط الأطفال بقيم رمضان وروحانيته.
رمضان بحضوره الهادئ
لا تبدو هذه الفعالية مجرد حدث موسمي عابر، بل تجسيد مصغر لطريقة عيش رمضان في المدينة منذ بداياته: احتفاء هادئ بقيم القرب والتراحم، ومساحة للقاء تخفف من إيقاع الأيام وتفتح باب السكينة التي يحملها الشهر. هكذا يحضر رمضان في اجتماع الناس على بساطة تشبههم.
تختصر أم محمد المشهد بالقول إن بساطة الفكرة تمنح العائلة لحظة فرح ضرورية في بداية الشهر. ويرى أحمد عيتاني، الذي حضر مع أصدقائه، أن الطابع العائلي الهادئ هو ما يميز الفعالية، فهي تجمع الناس بروح رمضانية دون صخب. وتشير سارة العلي إلى أهمية دعم الحرفيين المحليين، معتبرة أن الفرح يكتمل حين يمتد أثره ليشمل العاملين خلف هذه المنتجات.
يشير حضور أصحاب الحرف والمبادرات المحلية إلى بعد إضافي للفعالية، حيث يتحول التسوق إلى دعم مباشر للمنتجات المصنوعة بعناية، ويصبح اقتناء فانوس أو دفتر رمضاني مشاركة في دورة اقتصادية صغيرة تسعى للصمود. مع اقتراب موعد انطلاق شهر رمضان، تستمر هذه الفعاليات في تعزيز الشعور بالانتماء المجتمعي وتقديم نموذج حيوي للتآخي والتكافل.


