في ظل الأجواء الروحانية لشهر رمضان المبارك، يتزايد البحث عن الأئمة الذين وهبهم الله أصواتاً مؤثرة، ليتلووا آيات القرآن الكريم فتلامس القلوب قبل الآذان. هذا البحث عن الروحانيات لا يتوقف عند حدود الجسد الذي يتغذى بالإفطار، بل يمتد إلى تغذية الروح عبر صلاتي التراويح والتهجد. ورغم أن فلسطين، كغيرها من الدول، تشهد هذا الشغف، إلا أن الظروف السياسية الصعبة تلقي بظلالها على هذه العبادات.

يعيش الفلسطينيون في ظل تحديات سياسية واحتلال مستمر، مما يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على أداء شعائرهم الدينية بحرية. ففي القدس، يضع الاحتلال حواجز أمام وصول الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى، بل ويمنع أحياناً المئات من سكان القدس نفسها من دخوله. أما في الضفة الغربية، فغالباً ما تكون الحركة الليلية محفوفة بالمخاطر بسبب الاقتحامات الإسرائيلية، التي قد تشمل أماكن العبادة نفسها أثناء صلاة التراويح. وفي قطاع غزة، تتجلى أبرز التحديات في دمار المساجد بفعل الحروب، حيث يقام 예배 التراويح في خيام مؤقتة أو في أماكن نزوح، مما يعكس واقعاً قاسياً وفريداً.

القدس والضفة الغربية: قيود الاحتلال وتحديات العبادة

في مدينة القدس، يشكل الحاجز الذي يضعه الاحتلال عقبة كبرى أمام وصول المصلين من الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى المبارك. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل تمتد القيود لتشمل سكان القدس نفسها، حيث تعرض المئات منهم لمنع الدخول إلى المسجد، بمن فيهم سكان المناطق المجاورة له. هذا الوضع يحرم العديد من الفلسطينيين من حقهم في أداء الصلاة في أحد أقدس المواقع الإسلامية.

أما في الضفة الغربية، فإن فرص مَنْ يتمكن من السكن بالقرب من مسجد يتميز بصوت إمامه العذب تكون محدودة. فالحركة الليلية، خاصة خلال شهر رمضان لأداء صلاة التراويح، تحمل في طياتها مخاطر الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة. هذا الأمر يدفع الكثيرين إلى البحث عن طرق آمنة للوصول إلى أماكن العبادة، بما في ذلك المساجد التي يشتهر أئمتها بصوتهم المميز، مما يزيد من صعوبة الالتزام بالشعائر الدينية.

قطاع غزة: روحانية تتحدى الدمار

يعيش سكان قطاع غزة وضعاً استثنائياً، حيث تقام صلاة التراويح غالباً في خيام تم إنشاؤها بالموارد المتاحة، وغالباً ما تكون على أنقاض مساجد دمرتها عمليات الاحتلال، أو في مخيمات النزوح. هذا المشهد يعكس صمود الفلسطينيين وإصرارهم على إحياء شعائرهم الدينية رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحروب والتدمير.

على الرغم من هذا الواقع، تبرز قصص عن أئمة يتمتعون بأصوات مؤثرة، يتجمع حولهم المصلون في هذه الخيام، ليضمنوا حصولهم على جرعة روحانية خلال الشهر الفضيل، ولو في ظروف لا تشبه المساجد التقليدية. يعكس هذا المشهد قدرة الإنسان على التكيف وإيجاد سبل العبادة حتى في أشد الظروف قسوة.

أئمة ذوو أصوات ذهبية في فلسطين

في خضم هذه التحديات، يبرز عدد من الأئمة والقراء الفلسطينيين الذين وهبهم الله أصواتاً مؤثرة، مما يدفع المصلين إلى شد الرحال إليهم لأداء صلاتي التراويح والتهجد. يمتلك هؤلاء الأئمة صوتاً يؤثر في القلوب ويدخل آيات القرآن إلى النفوس، ليصبحوا مصدر إلهام روحي للمجتمع.

الشيخ محمد مصطفى محاميد: صوت يصدح من الداخل الفلسطيني

الشيخ المقرئ محمد مصطفى محاميد، البالغ من العمر 41 عاماً، نشأ وترعرع في مدينة أم الفحم داخل فلسطين المحتلة عام 1948. حصل على درجة البكالوريوس في الصيدلة، لكنه فضل لاحقاً دراسة الشريعة الإسلامية وعلومها، وهو ما أكمل فيه درجة الماجستير في أصول الدين. يؤم الشيخ محاميد المصلين في مسجد الغزالي بمسقط رأسه، كما يحظى بشرف إمامة المصلين في المسجد الأقصى منذ عام 2014، خاصة خلال شهر رمضان.

يُعرف الشيخ محاميد بمهاراته الفائقة في تقليد أصوات أشهر قراء الحرمين المكي والمدني، بالإضافة إلى قراء مصر البارزين. وقد تم تتويجه بالمرتبة الأولى في مسابقة “مزامير داوود” في الإمارات عام 2010، وهو مجاز في القراءات السبع، ويُدرس علم التجويد والإجازات لسنوات عديدة.

الشيخ معتز أبو سنينة: حارس الحرم الإبراهيمي

الشيخ معتز حفظي ياسين أبو سنينة، البالغ من العمر 35 عاماً، هو مدير وإمام وقارئ الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل بالضفة الغربية. ورغم تعرضه للإبعاد عن المسجد الإبراهيمي عدة مرات من قبل سلطات الاحتلال، إلا أنه يواصل دوره في إمامة المصلين. كما يؤم المصلين في مسجد السلام، أحد أكبر مساجد الخليل. حصل على درجة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية من جامعة القدس المفتوحة، وهو حالياً بصدد إكمال درجة الماجستير في أصول الدين بجامعة الخليل.

حفظ الشيخ أبو سنينة القرآن الكريم في سن الثالثة عشرة، ويشارك باستمرار في مسابقات القرآن الكريم المحلية والدولية، ممثلاً فلسطين في عدة دول. تم تسجيل مصحف مرتل له وهو في طور الإعداد للنشر، وله تسجيلات متعددة متاحة على وسائل التواصل الاجتماعي.

الشيخ الدكتور حسام النفار: صوت مؤثر من غزة

الشيخ الدكتور حسام النفار، قارئ وإمام فلسطيني من مدينة غزة، عُرف بجمال صوته وعذوبة تلاوته، وذاع صيته بشكل لافت في إمامة صلاة التراويح هذا العام في خيمة أقيمت بمنطقة مسجد الكنز المدمر. وصف المصلون تلاواته بأنها “صوت من السماء”، رغم رفضه الشديد للأضواء الإعلامية. يحمل دكتوراه في العلوم الإسلامية من جامعة تشوكوروفا في تركيا، بالإضافة إلى درجتي البكالوريوس والماجستير من الجامعة الإسلامية بغزة.

الشيخ عاهد زينو: براعة في التلاوات العشر

الشيخ عاهد زينو من قطاع غزة، حصل في عام 2007 على المرتبة الأولى على مستوى الوطن العربي والإسلامي كـ “أندى صوت” في قراءة القرآن الكريم بالتلاوات العشر، وذلك في مسابقة أقيمت بالمغرب. وهو حاصل أيضاً على المرتبة الأولى على مستوى قطاع غزة في حفظ القرآن الكريم وقراءته بالتلاوات العشر. يؤم المصلين في المسجد العمري الكبير بغزة، الذي تضرر بفعل العدوان، ويعمل في وزارة الأوقاف.

الشيخ رياض فهد: تقليد فوري لإصوات القراء

الشيخ رياض فهد، 38 عاماً، درس المرحلة الأساسية في نابلس، وبدأ الإمامة منذ عام 2007. وقد أتم حفظ القرآن الكريم في عام 2002. حالياً، يؤم المصلين في مسجد الراشدين بمدينة نابلس، والذي يشهد ازدحاماً كبيراً. شارك في مسابقتين لقراءة القرآن الكريم عام 2016، وحصل على المرتبة الأولى على مستوى محافظة نابلس والرابع على مستوى الضفة الغربية. يتميز بقدرته على تقليد أصوات القراء بشكل فوري.

الشيخ فراس القزاز: صوت المسجد الأقصى

القارئ فراس قزاز، 42 عاماً، من مدينة القدس. درس القرآن الكريم في شبابه على يد الشيخ محمد المصري، وحصل على إجازة في التجويد. بدأ حياته العملية مؤذناً في المسجد الأقصى، قبل أن يصبح موظفاً رسمياً في دائرة الأوقاف الإسلامية ومؤذناً وإماماً معتمداً. يمتلك موهبة مبكرة في تلاوة القرآن، وقدرة على تعلم المقامات الصوتية.

مع اقتراب نهاية شهر رمضان، تستمر هذه الأصوات الروحانية في إلهام المصلين في فلسطين، رغم التحديات التي تواجههم. تظل تلاوات هؤلاء الأئمة منارة للأمل والصبر، وتعكس مدى تعلق الشعب الفلسطيني بلغته الروحانية، حتى في أحلك الظروف.

شاركها.
Exit mobile version