كشفت دراسة أمريكية حديثة عن علاقة مقلقة بين قلة النوم وتراكم الدهون في منطقة البطن، لا سيما الدهون الحشوية الخطيرة. وتشير النتائج التي نشرت في دورية “جورنال أوف ذا أميركان كوليدج أوف كارديولوجي” إلى أن النوم لأربع ساعات فقط يوميًا لمدة أسبوعين قد يؤدي إلى زيادة ملحوظة في الدهون حول الأعضاء الداخلية، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض مزمنة.
وبحسب الدراسة، فإن الحرمان من النوم لا يؤثر على مستويات الطاقة والتركيز فحسب، بل يمتد تأثيره إلى التغيرات الهيكلية في توزيع الدهون داخل الجسم. وقد لوحظ أن هذه الظاهرة تتجاوز مجرد زيادة الوزن الظاهري، موجهةً الدهون نحو مناطق قد تكون أكثر ضررًا للصحة على المدى الطويل.
زيادة في دهون البطن
أظهرت الدراسة أن المشاركين الذين قللوا ساعات نومهم إلى أربع ساعات فقط يومياً لمدة أسبوعين شهدوا زيادة بنسبة 9% في إجمالي الدهون بمنطقة البطن. وتفاقمت هذه الزيادة في الدهون الحشوية، وهي الدهون العميقة التي تحيط بالأعضاء الداخلية، حيث ارتفعت بنسبة 11%.
تُعد الدهون الحشوية مصدر قلق كبير للباحثين والأطباء، نظراً لارتباطها الوثيق بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري من النوع الثاني، واضطرابات التمثيل الغذائي. وتشير هذه الزيادة إلى أن قلة النوم قد تكون عاملاً رئيسياً في تفاقم هذه المخاطر الصحية.
سعرات حرارية أكثر دون حرق إضافي
لم يقتصر تأثير قلة النوم على تراكم الدهون، بل ارتبطت أيضاً بزيادة ملحوظة في استهلاك الطعام. فقد تناول المشاركون ما يزيد عن 300 سعر حراري إضافي يومياً خلال فترة الحرمان من النوم، مع ارتفاع نسبي في استهلاك البروتين والدهون. ورغم بقاء المشاركين مستيقظين لساعات أطول، ظلت معدلات حرق الطاقة ثابتة تقريباً، مما يعني أن هذه السعرات الحرارية الإضافية جرى تخزينها بدلاً من حرقها.
وتكمن خطورة هذا الأمر في أن الجسم لم يعزز من استهلاكه للطاقة لتعويض الساعات الإضافية التي قضاها في اليقظة. وبدلاً من ذلك، يبدو أن آليات الجسم تعطي الأولوية لتخزين الطاقة الجديدة، خاصة في منطقة البطن، مما يؤدي إلى زيادة الدهون الحشوية.
دهون غير مرئية.. ومخاطر كبيرة
وأوضح الباحثون أن الدهون الحشوية تختلف عن الدهون تحت الجلد، فهي تتراكم بعمق داخل تجويف البطن وتحيط بالأعضاء الحيوية مثل الكبد والأمعاء. هذا الموقع يجعلها غير مرئية من الخارج، ولكنها تشكل خطراً متزايداً على الصحة العامة. وتنبّه الدراسة إلى أن قلة النوم قد تعيد توجيه تخزين الدهون نحو هذه المنطقة الداخلية، حتى لو لم يشهد الشخص زيادة واضحة في الوزن.
وبينت النتائج أن تراكم الدهون الحشوية استمر في الارتفاع حتى بعدما عاد استهلاك الطعام إلى مستواه المعتاد، وبعد عودة ساعات النوم إلى طبيعتها. هذا يشير إلى أن الآثار المترتبة على قلة النوم قد تكون طويلة الأمد وتتطلب اهتماماً خاصاً.
هل يعوض النوم اللاحق الضرر؟
أظهرت الدراسة أن تعويض ساعات النوم بعد فترة الحرمان لم يكن كافياً لعكس تأثيرات تراكم الدهون الحشوية على المدى القصير. فحتى عند زيادة ساعات النوم وتقليل تناول الطعام، استمرت مستويات الدهون الداخلية في الارتفاع. هذا يؤكد على أن قلة النوم يمكن أن تمثل عاملاً محفزاً مستقلاً لتراكم الدهون الحشوية، بغض النظر عن محاولات التعويض.
يرى الباحثون أن هذه النتائج تستدعي النظر إلى النوم كأحد العوامل الصحية الحيوية القابلة للتعديل، والتي يجب إعطاؤها الأولوية للحفاظ على صحة جيدة والوقاية من الأمراض المزمنة. ويتطلب الأمر إجراء المزيد من الأبحاث لفهم الآليات الكاملة لهذا الارتباط وتحديد الاستراتيجيات المثلى للتعامل معه.
توصيات وقائية
يوصي خبراء الصحة بأن يحصل البالغون على ما بين 7 إلى 9 ساعات من النوم شهرياً للحفاظ على صحتهم العامة. كما أن ممارسة النشاط البدني بانتظام واتباع نظام غذائي متوازن يعتبران من الركائز الأساسية للحد من تراكم دهون البطن وتحسين عملية الأيض.
وبالنسبة للعاملين بنظام المناوبات، يُنصح بالحفاظ على مواعيد نوم منتظمة قدر الإمكان، وتهيئة بيئة نوم مريحة وهادئة، والالتزام بعادات غذائية صحية لتقليل التأثيرات السلبية المحتملة لاضطراب نمط النوم على الصحة.


