رمضان 2026: لماذا قد لا تفقد الوزن أثناء الصيام؟ دراسات تكشف الأسباب

يبدو أن المفهوم الشائع بأن شهر رمضان يؤدي تلقائياً إلى فقدان الوزن قيد المراجعة، حيث تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الوزن قد يظل مستقراً أو حتى يزيد لدى البعض . هذا التباين الواضح يدفع الخبراء إلى إعادة تقييم تأثيرات الصيام على الشهية، والتمثيل الغذائي، والعادات الغذائية خلال الشهر الفضيل.

في مراجعة منهجية وتحليل بيانات نُشرا في مجلة “فرونتيرز إن نيوتريشن” (Frontiers in Nutrition)، استعرض باحثون نتائج أكثر من 40 دراسة تتعلق بتغيرات الوزن خلال شهر رمضان. وأظهرت النتائج أن الانخفاض في الوزن، إن حدث، يكون محدوداً ومؤقتاً خلال الأسابيع الأولى للصيام، قبل أن يعود غالباً إلى سابق عهده بعد فترة قصيرة من انتهاء الشهر.

انخفاض مؤقت في الوزن وآليات التعويض

يعزو الباحثون هذا الاتجاه إلى ما يُعرف بـ “تعويض السعرات الحرارية”، حيث يميل العديد من الصائمين إلى استهلاك وجبات غنية بالسعرات الحرارية بعد الإفطار، مما يعوض النقص الناتج عن ساعات الامتناع عن الطعام. هذه الممارسة تسلط الضوء على أهمية نوعية الطعام المتناول وليس فقط توقيته.

اضطراب الساعة البيولوجية وتأثيره على الشهية

لا يقتصر الأمر على كمية السعرات الحرارية، فقد تناول فريق بحثي من مؤسسات أكاديمية في قطر وبريطانيا تأثير التغيرات في مواعيد النوم والوجبات خلال شهر رمضان. أشار الباحثون إلى أن اضطراب الساعة البيولوجية، الناتج عن السهر للاستيقاظ لتناول السحور، قد يؤثر على تنظيم الشهية ومعدلات الحرق، وينعكس على إفراز هرمونات الجوع والشبع.

وبيّن الباحثون أن استهلاك الجزء الأكبر من الطعام خلال ساعات الليل يرتبط بزيادة الإحساس بالجوع في المساء، مقارنة بمن يحافظون على نمط نوم أكثر انتظاماً. هذا الارتباط بين النوم والشهية يضيف بعداً آخر لفهم تأثيرات الصيام.

هرمونات الجوع والشبع تحت المجهر

وفي دراسة سريرية نُشرت في مجلة “نيوتريينتس” (Nutrients)، تابع الباحثون مستويات هرموني اللبتين (Leptin) المرتبط بالشبع، والغريلين (Ghrelin) المرتبط بالجوع، لدى مشاركين أصحاء. وأظهرت النتائج انخفاضاً في مستويات اللبتين خلال الليل، مقابل ارتفاع في الغريلين قبيل موعد الإفطار، مما قد يفسر الشعور المتزايد بالجوع في نهاية يوم الصيام.

كما لاحظ الباحثون أن قلة النوم تعزز هذا التأثير الهرموني، في مؤشر على تداخل واضح بين العوامل البيولوجية والسلوكية خلال الشهر الفضيل. هذه النتائج تؤكد على أهمية حصول الجسم على قسط كافٍ من النوم للحفاظ على توازن الهرمونات.

الدماغ واستجابة “المكافأة” للطعام

وفي سياق متصل، اختبرت دراسة نُشرت في مجلة “أبيتايت” (Appetite) استجابة الدماغ لمحفزات الطعام قبل الإفطار وبعده. أظهرت النتائج ارتفاعاً ملحوظاً في حساسية ما يُعرف بـ “مكافأة الطعام” قبل الإفطار، لا سيما تجاه الأطعمة الغنية بالسكر والدهون، مما قد يدفع إلى الإفراط في تناولها عند كسر الصيام.

فسر الباحثون هذه النتائج بأن فترات الامتناع الطويلة عن الطعام قد تنشّط الدوائر العصبية المرتبطة بنظام المكافأة في الدماغ، ما يزيد الميل إلى الإفراط في استهلاك أنواع محددة من الطعام فور كسر الصيام. يأتي هذا ليضاف إلى حقيقة أن الصيام الرمضاني هو أحد مواضيع البحث الجديدة.

تقلبات سكر الدم وارتباطها بالسلوك الغذائي

تناولت مراجعة علمية نُشرت في مجلة “ديابيتيس ريسيرش آند كلينيكال براكتيس” (Diabetes Research and Clinical Practice) تأثير الصيام الرمضاني على ضبط مستويات سكر الدم. وخلصت المراجعة إلى أن الصيام قد يُحسن حساسية الأنسولين لدى بعض الأشخاص الأصحاء، لكنه في المقابل قد يسبب تقلبات حادة في مستويات الغلوكوز إذا تضمن الإفطار كميات مرتفعة من السكريات البسيطة.

وقد تعقب هذه التقلبات نوبات جوع لاحقة خلال ساعات المساء، ما يسهم في زيادة إجمالي السعرات الحرارية المتناولة خلال اليوم. وتشير الدراسات أيضاً إلى وجود فروق طفيفة في الاستجابة الأيضية بين الرجال والنساء، إذ قد تعاني بعض النساء من احتباس السوائل خلال النصف الثاني من شهر رمضان، مما قد يفسر الإحساس بزيادة الوزن دون حدوث تغير ملموس في كتلة الدهون.

تُظهر المراجعات العلمية الحديثة أن الصيام بحد ذاته لا يؤدي تلقائياً إلى الإفراط في تناول الطعام أو زيادة الوزن. غير أن تداخل عدة عوامل، من بينها تغيير مواعيد الوجبات، واضطراب النوم، وارتفاع استجابة الدماغ لمكافأة الطعام، إلى جانب تقلبات سكر الدم، قد يدفع بعض الأشخاص إلى استهلاك كميات أكبر مما يتصورون.

بينما يظل شهر رمضان موسماً للانضباط الروحي، تشير الأبحاث إلى أن طريقة كسر الصيام ونمط التغذية المتبعة، وليس ساعات الامتناع وحدها، هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان الشهر يترك أثراً صحياً إيجابياً أم محايداً.

ماذا بعد؟ تظل الأبحاث مستمرة لفهم الآليات الدقيقة التي تؤثر على وزن الجسم أثناء الصيام، خاصة مع اتساع نطاق الدراسات لتشمل مجموعات سكانية مختلفة. من المتوقع أن تسهم النتائج المستقبلية في تقديم توصيات غذائية أكثر دقة، مما يساعد الأفراد على تحقيق أهدافهم الصحية خلال شهر رمضان وما بعده.

شاركها.
Exit mobile version