تتجه الأنظار في الولايات المتحدة نحو قضية طبية وقانونية شديدة الحساسية، بعد أن اضطرت امرأة في ولاية فلوريدا للمثول أمام قاضٍ عبر اتصال مرئي من سرير المستشفى خلال فترة المخاض، وسط خلاف طبي حول طريقة الولادة. هذه الحادثة، التي وصفها تقرير لموقع “بروبابليكا” (ProPublica) بأنها مثال على “التدخل الطبي القسري”، تثير تساؤلات عميقة حول حقوق المرأة في اتخاذ القرارات الطبية المتعلقة بجسدها، خاصة في لحظات الولادة.
المرأة، واسمها شيريس دويل، وهي أم لثلاثة أطفال، وجدت نفسها في مواجهة قضائية وهي في أشد لحظات المخاض، بعد رفضها إجراء عملية قيصرية طارئة أوصى بها الفريق الطبي في مستشفى تابع لجامعة فلوريدا في جاكسونفيل. وقد لجأ الأطباء إلى المحكمة للحصول على إذن لإجراء العملية، مما وضع دويل في موقف قانوني محرج ومؤلم.
تجارب قاسية
وصلت دويل إلى المستشفى بعد بدء نزول ماء الجنين. أبلغها الأطباء بقلقهم من خطر تمزق الرحم، وهو مضاعف خطير محتمل. ومع ذلك، كانت دويل ترى أن نسبة الخطر أقل من 2%، وأكدت مراراً رغبتها في محاولة الولادة الطبيعية أولاً قبل اللجوء إلى العملية القيصرية. بعد ساعات من النقاش، سمح الأطباء لها بالاستمرار في المخاض.
كان لدى دويل أسباب وجيهة لرفض الجراحة. فقد عانت من فترات نقاهة صعبة بعد عمليات قيصرية سابقة، بما في ذلك نزيف حاد استدعى دخولها المستشفى لمدة أسبوع. كانت قلقة من عدم قدرتها على رعاية أطفالها الآخرين إذا تعافيها من جراحة أخرى، فضلاً عن مخاوفها من عدم قدرتها على ذلك في حال حدوث مضاعفات.
خلال جلسة الاستماع التي استمرت لأكثر من ساعتين، تساءلت دويل بصوت عالٍ عما إذا كانت حياتها وحياة أطفالها الأخرى ذات قيمة لدى المستشفى والأطباء. كما طلبت نقلها إلى مستشفى آخر، معربة عن عدم رغبتها في أن يجري لها أي من الأطباء المشاركين في الجلسة أي إجراء جراحي. أوضح مسؤولو المستشفى أن هذا الخيار غير مرجح ما لم يوافق المستشفى الآخر على استقبالها.
في نهاية المطاف، وافقت دويل على البقاء في المستشفى، لكنها طرحت مخاوف بشأن الرعاية، متسائلة عما إذا كان من الممكن تكليف طبيب أو ممرضة من ذوي البشرة السوداء برعايتها. كما أعربت عن قلقها بشأن ما قد يحدث بعد انتهاء المهلة التي حددتها المحكمة، متسائلة عما إذا كانت ستقيد قسراً لإجراء عملية قيصرية.
لم يأمر القاضي بإجراء عملية قيصرية فورية، لكنه أوضح أن المستشفى لديه الحق في إجرائها في حالة الطوارئ دون موافقتها. لاحقاً، أفاد الأطباء بانخفاض في نبض قلب الطفلة، مما دفعهم لنقل دويل إلى غرفة العمليات وإجراء عملية قيصرية لإنقاذ الجنين.
حالات مماثلة
تأتي هذه الحادثة لتضاف إلى عدد من الوقائع المماثلة التي شهدتها ولاية فلوريدا، حيث لجأت مستشفيات إلى القضاء لإجبار نساء حوامل على الخضوع لعمليات قيصرية رغم رفضهن. غالباً ما تستند هذه الدعاوى إلى أن العملية ضرورية لحماية حياة الجنين، وتُعقد جلسات المحكمة الطارئة عبر الإنترنت بينما تكون النساء في غرف الولادة.
تثير هذه التدخلات القضائية جدلاً واسعاً بين المتخصصين القانونيين والطبيين. يرى المنتقدون أنها تمثل انتهاكاً لحق المرأة الأساسي في استقلالية جسدها واتخاذ القرارات الطبية المتعلقة به. في المقابل، يدافع البعض عن هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية في الحالات الحرجة التي قد تعرض حياة الجنين للخطر، وأن القضاء هو الملجأ لضمان سلامة الرضيع.
من المتوقع أن تستمر التساؤلات حول كيفية الموازنة بين حقوق الأمهات وحقوق الجنين، ومدى جواز التدخل القضائي في القرارات الطبية الشخصية. يبقى السؤال الأهم هو ما هي الخطوات التالية لضمان عدم تكرار مثل هذه المواقف، وكيف سيتم التعامل مع قضايا التمييز المحتملة في نظام الرعاية الصحية.


