هل يمكن لسمكة صغيرة أن تمتلك “إحساساً بذاتها”؟ دراسة حديثة تثير جدلاً علمياً

في سؤال يبدو غريباً للوهلة الأولى، طرحت دراسة حديثة، نُشرت في دورية “ساينتفك ريبورتس”، تساؤلاً حول ما إذا كانت سمكة صغيرة من الشعاب المرجانية، تُعرف باسم “منظّفة الأسماك” (cleaner wrasse)، قد تمتلك شكلاً من أشكال “الإحساس بالذات”. هذه الدراسة، التي أجراها فريق من الباحثين اليابانيين، دفعت العلماء إلى إعادة النظر في المفاهيم التقليدية للوعي بالذات، بعد ملاحظة سلوكيات مدهشة لدى هذه السمكة أمام المرآة.

تعتمد الدراسة على “اختبار المرآة”، وهو منهجية علمية تُستخدم منذ سبعينيات القرن الماضي، بهدف تحديد ما إذا كان الحيوان يتعرف على صورته في المرآة كـ “ذاته” وليس كحيوان آخر. يتضمن الاختبار وضع علامة مميزة على جزء من جسم الحيوان لا يراه مباشرة، ثم تقديمه إلى مرآة. إذا حاول الحيوان لمس العلامة أو إزالتها بالاستعانة بملاحظة صورته المنعكسة، يُعتبر ذلك مؤشراً على قدرته على التعرف على الذات.

ما “اختبار المرآة”؟

الفكرة الأساسية لاختبار المرآة بسيطة: يتم وضع علامة (غالباً ما تكون ملونة أو شبيهة بالطفيليات) على جزء من جسم الحيوان لا يستطيع رؤيته. بعد ذلك، يُقدم له وعاء يحتوي على مرآة. إذا قام الحيوان بحركات تشير إلى محاولته لمس أو إزالة العلامة من جسده، بالاعتماد على ما يراه في المرآة، فإن هذا السلوك يُفسر على أنه دليل على وعي الحيوان بالذات، أي إدراكه أن الانعكاس هو لجسده.

تاريخياً، نجح عدد قليل من الأنواع فقط في اجتياز هذا الاختبار، بما في ذلك بعض أنواع القردة العليا، والدلافين، والفيلة، بالإضافة إلى عدد محدود من الطيور الذكية كالغربان. لذا، فإن ورود سمكة صغيرة في قائمة الحيوانات التي أظهرت سلوكاً مشابهاً أثار جدلاً واسعاً ونقاشات بين العلماء.

تبديل ترتيب الخطوات

لاحظ الفريق البحثي الياباني، الذي قاد الدراسة الجديدة، أن العديد من الأبحاث السابقة كانت تقدم المرايا للحيوانات لفترات طويلة قبل وضع العلامة، مما قد يؤثر على طبيعة استجابتها. ولهذا، قرر الباحثون عكس الترتيب.

في التجربة، وضع الباحثون علامة تشبه طفيلياً صغيراً على منطقة غشاء الحلق لدى سمكة “منظّفة”، وهي منطقة لا تستطيع السمكة رؤيتها مباشرة. بعد ذلك، تم تقديم مرآة للسمكة للمرة الأولى، وبدأ الباحثون في توثيق سلوكها بدقة عبر التصوير.

ثلاث مراحل أمام المرآة

في غضون فترة زمنية قصيرة، مرت الأسماك بسلسلة من السلوكيات المتتابعة التي يمكن تلخيصها في ثلاث مراحل رئيسية:

  • مرحلة الهجوم: في البداية، تعاملت السمكة مع الصورة المنعكسة كأنها كائن غريب أو منافس، فقامت بمحاولات عدوانية لطرده، لكن هذه العدوانية خفت تدريجياً.
  • مرحلة “التجريب”: بعد انخفاض مستوى العدوانية، بدأت السمكة في القيام بحركات غير اعتيادية أمام المرآة، مثل الانحناء والدوران، مع التركيز على متابعة انعكاسها.
  • الانتباه إلى العلامة ومحاولة إزالتها: وهنا جاءت النتيجة المفاجئة؛ حيث بدأت بعض السمكات في حك منطقة الحلق التي تحمل العلامة على الصخور وأرضية الحوض، محاولةً بذلك إزالة ما كانت تراه في المرآة وكأنه طفيلي ملتصق بها.

المثير للاهتمام أن هذا التسلسل السلوكي، الذي يشير إلى التعرف على الذات، حدث في بعض الحالات خلال فترة قصيرة لا تتجاوز نصف ساعة من التعرض الأول للمرآة، وبمتوسط أقل من ساعتين. وهذا يتناقض مع بعض الثدييات الأكبر، التي قد تحتاج لأيام لتظهر سلوكاً مشابهاً.

ماذا تقول لنا هذه السرعة؟

يرى الباحثون أن هذه الاستجابة السريعة لا يمكن تفسيرها ببساطة على أنها “تعلم سريع” فحسب، بل تشير إلى وجود ما يمكن تسميته “صورة داخلية” للجسد لدى السمكة. هذه الصورة الداخلية تسمح لها بربط إحساس جسدي معين (وجود طفيلي أو علامة) مع الصورة التي تراها في المرآة، ثم اتخاذ سلوك مناسب للتخلص من هذه “الأشياء” غير المرغوب فيها.

هذا المفهوم لـ “الصورة الداخلية” للجسد، رغم بساطته، يُعد من المكونات الأساسية للإحساس بالذات.

اللعب مع المرآة.. ليس مجرد صدفة

بعد تجاوز مرحلتي الهجوم والارتباك الأولية، لوحظت لدى بعض الأسماك سلوكيات أخرى تبدو أقرب إلى الفضول والاستكشاف، وكأنها تحاول فهم طبيعة هذه “النافذة” الغريبة:

  • اقتربت بعض الأسماك بشكل كبير من سطح المرآة، وقامت بلمس الزجاج بأفواهها، ثم سبحت على امتداده بحركات بطيئة.
  • في مشهد لافت، التقطت بعض الأسماك قطعاً صغيرة من الروبيان، ثم حملتها بالقرب من المرآة وأسقطتها، وهي تتابع بعناية ما يحدث في الواقع وفي الانعكاس معاً.

هذه السلوكيات تشبه إلى حد كبير ما لوحظ سابقاً لدى حيوانات أخرى، كالدلافين وأسماك “مانتا راي”، التي تقوم بحركات أو تفاعلات متعمدة مع المرآة، مما يوحي بمحاولة لاستكشاف “قواعد اللعبة” في هذا العالم المنعكس.

هل يعني ذلك أن السمكة “واعية بنفسها”؟

يثير هذا الاكتشاف جدلاً قديماً حول تعريف الوعي بالذات. يرى البعض أن الوعي بالذات يتطلب بنية دماغية معقدة، وهو أمر يقتصر على الأنواع العليا كالقردة والدلافين. لكن دراسات مثل هذه تميل إلى فرضية أوسع، وهي أن الوعي ليس سمة مطلقة، بل هو طيف واسع تتدرج فيه الكائنات، بدءاً من الأشكال البسيطة لإدراك الجسد وصولاً إلى مستويات أعلى من التفكير الذاتي.

الدراسة لا تدعي أن سمكة “منظّفة الأسماك” تفكر في ماضيها أو مستقبلها أو لديها لغة داخلية معقدة. لكنها تشير بقوة إلى أن امتلاك “حس بالجسد” والقدرة على استخدام المعلومات البصرية لفهم التغيرات التي تطرأ عليه، ليس حصراً على الثدييات الكبيرة.

لماذا يهمنا أمر سمكة في حوض تجارب؟

تتجاوز أهمية هذه النتائج فضول العلماء حول الحياة البحرية إلى قضايا أوسع:

  • الأخلاقيات الحيوانية: كلما اتسع نطاق الكائنات التي تظهر مؤشرات على الوعي بالذات، زادت الأسئلة الأخلاقية حول كيفية التعامل معها، سواء في التجارب العلمية، أو في الأسر (كالحدائق المائية)، أو حتى في الصيد.
  • تطور الذكاء: إن قدرة سمكة صغيرة ذات دماغ محدود على بناء صورة عن جسدها واستخدامها لتعديل سلوكها، قد يعني أن الذكاء، بأشكاله المختلفة، أكثر تنوعاً وانتشاراً مما كنا نعتقد سابقاً.

تجد سمكة “منظّفة الأسماك”، التي تعيش حياة طبيعية في الشعاب المرجانية، نفسها فجأة في قلب نقاش علمي وفلسفي عميق حول تعريف الوعي. وفي سياق تجربة علمية، فإن سلوك هذه السمكة أمام المرآة دفع الباحثين إلى إعادة النظر في فهمهم لعقول الحيوانات، وربما في فهمنا لأنفسنا.

ما الخطوة التالية؟ يخطط الباحثون لإجراء تجارب إضافية، ربما باستخدام علامات مختلفة أو بيئات محفزة، لفهم أعمق لطبيعة هذا الإحساس بالذات لدى الأسماك. كما أنهم يراقبون الظروف البيئية والاجتماعية التي قد تؤثر على تطور هذه القدرات، مع التركيز على استبعاد أي تفسيرات سلوكية بديلة قد تكون أبسط.

شاركها.
Exit mobile version