“النرجسية الحوارية” هو مصطلح يصف نمطًا من التفاعل يصبح فيه شخص واحد هو المسيطر على المحادثة، محولًا إياها إلى منصة لحديثه الذاتي. صاغ هذا المفهوم عالم الاجتماع الأمريكي تشارلز ديربر في أواخر السبعينيات، ورأى فيه انعكاسًا لثقافة الفردانية المتزايدة والسعي المستمر لجذب الانتباه الاجتماعي.

وعلى الرغم من أنه ليس تشخيصًا طبيًا، إلا أن هذا المصطلح الأكاديمي، كما توضح الدكتورة سو فارما، أستاذة الطب النفسي المساعدة بجامعة نيويورك، يصف سلوكًا حواريًا يتسم باحتكار الحديث، حيث يصعب على الآخرين إدخال وجهات نظرهم أو استعادة “الميكروفون”. تشبّه فارما المحادثة الصحية بتبادل الكرة، بينما يقوم الشخص ذو النرجسية الحوارية بالتقاط الكرة والاحتفاظ بها لنفسه.

من هم النرجسيون في حديثهم؟

المعالجة النفسية ويندي بيهاري، المتخصصة في علاج النرجسية، ترى أن هؤلاء الأشخاص لديهم قدرة فريدة على تحويل أي حديث إلى صيغة “ماذا عني أنا؟”. فهي تستشهد بموقف ساخر من فيلم يطلب فيه شخص من محاوره التوقف عن الحديث عنه والتركيز على رأيه هو فيه.

وتُعرّف مستشارة الاتصالات إميليا ريغستاد صاحب النرجسية الحوارية بأنه “شخص يتحدث عن نفسه باستمرار، ويوجه المحادثات لتكون عنه هو وحده”.

لماذا يفعلون ذلك؟

تشرح سو فارما أن كثيرين ممن يمارسون هذا النمط في الحديث قد يكونون مدفوعين بـ”عادة سيئة” أكثر من نية للإيذاء. قد يكون لديهم صعوبة في التخلي عن الحاجة للسيطرة على الأضواء، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم يخططون لإلحاق الأذى عمدًا.

غالبًا ما يكون خلف هذا السلوك شعور عميق بانعدام الأمان، يدفع صاحبه لإثبات أنه “مثير للاهتمام” ليحظى بالإعجاب. كما قد يعاني البعض من قلق تجاه لحظات الصمت، مما يدفعهم إلى الإكثار من الكلام لملء الفراغ. هذه السلوكيات قد تعكس نقصًا في المهارات الاجتماعية أكثر من كونها قسوة في المشاعر.

تضيف فارما أن هؤلاء الأشخاص قد يفتقرون إلى ضبط النفس ويميلون إلى مقاطعة الآخرين، لأنهم ليسوا مستمعين جيدين، وهي سمة قد تتواجد لدى من يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ADHD.

ليست بالضرورة اضطرابا مرضيا

ترى المعالجة النفسية لورين ماهر أن بعض من يحتكرون الحديث قد يكونون نشؤوا في بيئات تشجع حب الظهور، واضطروا لأن يكونوا “أعلى صوتًا” ليُسمعوا، مما يجعلهم يعتقدون أن احتكار الكلام وسيلة طبيعية للتواصل.

تشير إميليا ريغستاد إلى أن البعض قد لا يدرك حتى ما يفعله، ويعتبر هذا الأسلوب في التواصل وسيلة للشعور بالانتماء وتهدئة الأعصاب، دون أن يكون ذلك نرجسية بالمعنى الإكلينيكي.

ومع ذلك، تشير المعالجة النفسية تشيلسي بروك كول إلى أن الأمر قد يرتبط بما تسميه “النرجسية الهشّة”، وهي حالة تضع الشخص على “مؤشر النرجسية” دون أن يصل إلى اضطراب الشخصية النرجسية الكامل. إن سلوكهم غالبًا ما يجسد نقصًا في التعاطف، وانشغالًا بالاحتياجات الخاصة، وعدم القدرة على التواصل الصادق.


5 علامات على “النرجسية الحوارية”

يحدد الخبراء مجموعة من العلامات المتكررة التي قد تشير إلى وجود “النرجسية الحوارية”:

استجابة التحويل

تمتلك النرجسية الحوارية قدرة مستمرة على “تحويل” أي موضوع إليهم، ويربطون قصص الآخرين بقصصهم الخاصة، ويتحدثون عن حياتهم وآرائهم دون طلب. هذا ما صاغه تشارلز ديربر في مصطلح “استجابة التحويل” (Shift Response)، لوصف هذا الميل المستمر لجذب التركيز إليهم.

“نظرة انتظار الكلام”

لا يهتم الشخص ذو النرجسية الحوارية كثيرًا بما تقوله بقدر اهتمامه بدوره في الحديث. يمكن ملاحظة فقدان الاهتمام بسرعة إذا خرج الحديث عن الموضوع الذي يرغبون في مناقشته، وقد يظهر ذلك في نظراتهم أو تعابير وجوههم.

تسمي سو فارما هذا بـ”نظرة انتظار الكلام”، حيث ينتظر الشخص اللحظة التي يصمت فيها الآخر ليقود الحديث باتجاه اهتمامه.

الحرص على التفوق المستمر

من العلامات اللافتة، كما تشير إميليا ريغستاد، محاولات التفوق المستمر على الآخر، رغبة في أن يبدو الشخص الأنجح أو الأذكى أو الأكثر خبرة، حتى في الأحاديث اليومية البسيطة. يشبه هذا النمط مبارزة تنافسية، حيث يمتلكون دائمًا خبرًا أو قصة أفضل.

إنهاك الطرف الآخر

واحدة من أكثر العلامات وضوحًا، كما تقول تشيلسي كول، هي شعور الناس بعد الحديث مع هذا الشخص بالإرهاق أو النفور أو الضغط. يجيدون فرض أسلوبهم، ويقاطعون باستمرار، ويحتكرون الحديث، مع تجاهل واضح لمشاعر ورأي الطرف الآخر.

بعد انتهاء الحديث، قد يشعر الكثيرون بالحاجة إلى “استراحة” للخروج من ثقل هذه التجربة، وقد يجدون أنفسهم لا يتطلعون إلى التحدث معهم مرة أخرى.

هوس جذب الانتباه ونيل الاستحسان

لا يتقبل النرجسيون في الحديث بسهولة النقد، ويبحثون في الغالب عن الإعجاب المستمر والموافقة. يعود ذلك لشعور عميق بعدم الأمان، يجعلهم في حاجة دائمة للاستحسان والاهتمام.

إذا لاحظت أن شخصًا ما يتجنب الاعتراف بخطئه، ولا يستجيب عند الاختلاف معه، بل يغير الموضوع أو يهاجم، فقد تكون هذه إشارة للنرجسية الحوارية.

أين نقف نحن من كل هذا؟

قد نمارس “النرجسية في الحديث” دون أن نتبه، بدافع القلق أو الرغبة في لفت الانتباه أو العادة المتشكلة منذ الطفولة. لكن التوقف لمراقبة طريقة حديثنا والمساحة التي نتركها للآخرين، يمكن أن يكون خطوة أولى نحو حوارات أكثر توازنًا.

ففي النهاية، المحادثة الصحية ليست مباراة لإثبات الذات، بل مساحة مشتركة نرمي فيها الكرة ونعيدها، لنُشعِر الآخر بأنه حاضر ومسموع ومهم.

شاركها.
Exit mobile version