المستثمرون يراهنون على أكبر تباعد للتضخم بين الولايات المتحدة وأوروبا منذ 2022
يتوقع المتداولون الذين يراهنون على المسار المستقبلي للتضخم أكبر تباعد منذ 3 سنوات بين الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، مدفوعاً بتباين مسارات النمو، وتهديدات الرسوم الجمركية، وانخفاض تكاليف الطاقة الأوروبية في ظل احتمال التوصل إلى اتفاق سلام في أوكرانيا.
ومع ذلك، لا تنعكس هذه الفجوة بالكامل على عائدات السندات الأميركية والأوروبية، إذ يراقب المستثمرون عوامل أخرى، بما في ذلك تباطؤ البيانات الاقتصادية الأميركية الأخيرة والتوقعات بزيادة الإنفاق الدفاعي في أوروبا، وفق «رويترز».
وأشارت أسواق مقايضات التضخم في أواخر الأسبوع الماضي إلى أن التضخم في مؤشر أسعار المستهلك الأميركي سيبلغ نحو 2.8 في المائة على مدى العامين المقبلين، مقارنة بـ1.9 في المائة في منطقة اليورو. ويمثل ذلك تراجعاً طفيفاً عن معدل التضخم الأميركي الحالي البالغ 3 في المائة، وانخفاضاً أكثر حدة عن معدل التضخم في منطقة اليورو البالغ 2.5 في المائة. وعلى الرغم من تراجع هذه التقديرات قليلاً منذ ذلك الحين، لا تزال الفجوة بينهما عند أوسع مستوياتها منذ أوائل عام 2022.
وفي المقابل، تراجعت عائدات سندات الخزانة الأميركية مقارنة بنظيراتها الأوروبية في الأسابيع الأخيرة؛ حيث أثارت البيانات الاقتصادية الأضعف من المتوقع الشكوك بشأن النمو، رغم استمرار المخاوف بشأن التضخم.
تباين حاد
تعد مقايضات التضخم أدوات مالية تتيح للأطراف زيادة أو تقليل تعرضهم للتضخم. ويتوقع العديد من المستثمرين – من المتداولين المضاربين إلى الشركات التي تحتاج إلى التحوط – أن تؤدي الرسوم الجمركية التي يخطط لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة، لكنها قد تُضعف النمو في أوروبا، مما يخفف من الضغوط التضخمية هناك.
وفي هذا السياق، تقول بلرينا أوروتشي، كبيرة خبراء الاقتصاد الأميركي في قسم الدخل الثابت بشركة «تي رو برايس»: «الرسوم الجمركية تمثل صدمة لمرة واحدة على مستوى الأسعار، ولكن ما يميز الوضع الحالي هو أننا نعيش في بيئة تضخم مرتفع؛ حيث اكتشفت الشركات أن لديها قدرة على تمرير التكاليف إلى المستهلكين، مما قد يجعل تأثير هذه الصدمة أكثر استدامة من المعتاد».
تفاوت النمو
يشكّل التباين في معدلات النمو عاملاً حاسماً آخر في هذا المشهد الاقتصادي. فقد توسع الاقتصاد الأميركي بنحو 12 في المائة منذ ما قبل الجائحة، بينما لم يتجاوز نمو منطقة اليورو – التي تضم 20 دولة – 5 في المائة.
أمّا على الجانب الآخر، فإن أحد محاور سياسة ترمب الخارجية، والمتمثل في السعي للتفاوض مع روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا، أثار حالة من الدهشة في العواصم الأوروبية، لكنه أدى إلى انخفاض أسعار الطاقة، إذ تراجعت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي – وهو المحرك الرئيسي للتضخم في منطقة اليورو – بنسبة 30 في المائة منذ منتصف فبراير (شباط).
وفي هذا السياق، يقول جييرمو فيليس، مدير واستراتيجي الاستثمار العالمي في «بي جي آي إم»: «هذا التراجع في أسعار الطاقة يضغط على مقايضات التضخم المستقبلية نحو الانخفاض، مما يؤدي إلى هذا التباعد غير المعتاد بين الولايات المتحدة وأوروبا».
تقلبات الأسواق
وفي العادة، تؤدي الفجوات في توقعات التضخم إلى ارتفاع عائدات السندات الأميركية مقارنة بنظيراتها الأوروبية. لكن تركيز المستثمرين مؤخراً انصبّ على تباطؤ النمو في الولايات المتحدة رغم استمرار التضخم، وهو ما برز في التراجع الأخير لمؤشر ثقة المستهلك الأميركي.
من جهة أخرى، قد تضطر الحكومات الأوروبية إلى زيادة الاقتراض – وربما بشكل مشترك – لتمويل الإنفاق الدفاعي المتزايد استجابة لمطالب ترمب، وهو عامل جديد يجب أخذه بعين الاعتبار.
وفي هذا السياق، انخفض الفارق بين عائدات السندات الأميركية والألمانية لأجل 10 سنوات إلى أدنى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ حيث بلغ 182 نقطة أساس يوم الثلاثاء، مقارنة بـ231 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول)، الذي كان حينها الأعلى في 5 سنوات.
ويتوقع المتداولون حالياً أن يخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بنحو 55 نقطة أساس هذا العام، بعدما كانوا يتوقعون سابقاً خفضاً واحداً بمقدار 25 نقطة أساس فقط. أما البنك المركزي الأوروبي، فقد تغيرت توقعاته بدرجة أقل؛ حيث يتوقع خفضاً بمقدار 85 نقطة أساس.
ورغم ذلك، لا يزال بعض المستثمرين يرون أن قوة الاقتصاد الأميركي ستبقي تكاليف الاقتراض مرتفعة. وفي هذا السياق، يقول أليس كوتني، رئيس أسعار الفائدة الدولية في «فانغارد»: «لقد كان الاحتياطي الفيدرالي واضحاً للغاية في أنه لا يزال في منطقة تقييدية، لكنه مرتاح للبقاء هناك إذا استمر النمو. وهذا ما يحد من ارتفاع السندات».
تأثير الدولار واليورو
أدى انخفاض العائدات إلى تراجع جاذبية السندات الأميركية، مما أضعف الدولار، وأسهم في ارتفاع اليورو إلى 1.05 دولار، بعد أن كان عند 1.01 دولار في الشهر الماضي، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من عامين.
ومع ذلك، يحذر صامويل زيف، رئيس استراتيجية النقد الأجنبي العالمية في «جي بي مورغان برايفت بنك»، من المراهنة على ارتفاع مستدام للعملة الأوروبية الموحدة، قائلاً: «نعتقد أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالتجارة والعوامل المعاكسة الأخرى لا تزال بحاجة إلى الحسم قبل أن يتحول المستثمرون إلى تفاؤل دوري أكبر تجاه منطقة اليورو».
من جانبه، يرى فيليس أن توقعات التضخم لا تزال قريبة من 2 في المائة، وهو ما يعتبره أمراً مطمئناً؛ خصوصاً أن الاحتياطي الفيدرالي يستهدف مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يميل إلى أن يكون أقل من مؤشر أسعار المستهلك. ويضيف: «حقيقة أن التوقعات لا تزال متماشية إلى حد كبير مع أهداف التضخم تُعدّ إشارة إيجابية للغاية».