في فترة زمنية تشهد تأرجح اقتصادات كبرى أمام تحديات التضخم والتقلبات الجيوسياسية، يرى مراقبون أن الصين سارت وتسير في العام الحالي 2025 على طريق مختلف. ويجادل هؤلاء أن هذا قد لا يكون الطريق الأسرع، لكنه يبدو حقاً أكثر استدامة وتماسكاً. وبالتالي، بعد سنوات من تركيز القيادة والمخططين في بكين على معدلات النمو المتسارعة يبدو أن الصين اختارت تحويل البوصلة نحو عمق اقتصادي جديد، حيث تُصبح الجودة والاستقرار والابتكار القيم الموجهة للسياسات الاقتصادية.

بالنسبة لكثير من المراقبين، يبعث المشهد العام للاقتصاد الصيني على التأمل. فلقد حقق الناتج المحلي الإجمالي نمواً نسبته 5.2 في المائة بالربع الثاني من هذا العام، ومع أن هذا الرقم بعيد عن ذروة السنوات الماضية ينظر إليه كثيرون اليوم على أنه «نمو ناضج». وفي واقع الأمر، تقف خلف هذا الرقم تحولات عميقة، بعضها مرئي في البنية التحتية والسياسات، وبعضها الآخر خفيّ لكنه يتغلغل في نسيج النموذج التنموي الصيني الجديد.

مؤسسات دولية كبرى، من بينها صندوق النقد الدولي ومؤسسات مالية عريقة، مثل «مورغان ستانلي»، و«غولدمان ساكس»، رفعت أخيراً توقعاتها لنمو الاقتصاد الصيني في 2025. ووصفت الأمم المتحدة الصين بأنها من بين «الاقتصادات الكبرى القليلة التي عدّلت توقعاتها نحو الأعلى» في وقت تعاني اقتصادات أخرى من ضبابية وتراجع. ولا شك أن مثل هذا التقدير الدولي يعكس متانة الاقتصاد الصيني، وثقة الأسواق العالمية في استراتيجيته الجديدة.

سيارات بي واي دي الصينية فرضت نفسها في اسواق العالم (آ ب)

التركيز الجديد

المصانع الصينية لم تتوقف عن العمل، لكنها تغيّرت. لم يعد الهدف الإنتاج بأقل تكلفة وأكبر كمية، بل بات التركيز على القيمة المضافة. ولذا تتجه الأنظار نحو الصناعات المتقدّمة مثل: أشباه الموصلات، وتكنولوجيا البطاريات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة.

شركات مثل «بي واي دي» و«كاتل CATL» و«هواوي» لم تعد فقط علامات صينية، بل باتت أسماء عالمية تنافس على الريادة في قطاعات المستقبل. ويُصنَّف هذا التوجه بأنه جزء مما يُعرف بـ«الاقتصاد الجديد الثلاثي»، الذي يشمل صناعات جديدة ونماذج أعمال مبتكرة، والذي بات يمثل 18.01 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، بحسب المكتب الوطني للإحصاء الصيني، ما يعكس انتقالاً فعلياً نحو اقتصاد المعرفة.

السياسة الصناعية التي تنتهجها الحكومة الصينية راهناً لم تعد قائمة على دعم غير مشروط، بل باتت مشروطة بالتحول إلى «ابتكار مسؤول». إذ تُخصص المنح والإعفاءات الضريبية فقط للمشاريع التي تخلق وظائف مستدامة وتراعي الأثر البيئي وتُحقق تقدماً تكنولوجياً حقيقياً. ولذا، حتى الشركات الكبرى لم تعد بمنأى عن التوجيه، بعدما أوقفت الحكومة بعض التوسّعات غير المجدية، مطالبةً بتطوير المنتج قبل توسيع الإنتاج.

ومن جهة ثانية، رافقت هذه السياسة الداخلية إجراءات انفتاح خارجي غير مسبوقة، عبر إطلاق «24 إجراءً للاستثمار الأجنبي» و«20 إجراءً لاستقرار الاستثمار»، وتوسيع نطاق المعاملة التفضيلية والتعريفة الصفرية. وهذا الأمر يكرّس بيئة أعمال أكثر جاذبية واتساقاً مع المعايير الدولية.

التحوّل الحاصل يمسّ المجتمع أيضاً…

اللافت أن التحول ما عاد يقتصر على القطاعات التقنية، بل نراه يشمل المجتمع ككل. ذلك أن الصين، التي واجهت في العقد الماضي تحديات ديمغرافية كبيرة نتيجة انخفاض معدلات الإنجاب وتقدّم السكان في السن، بدأت عام 2025 اتخاذ خطوات اجتماعية واقتصادية جريئة. فأطلقت الحكومة برنامجاً لدعم الأسر يشمل منحاً مباشرة عند الإنجاب وتخفيضات على تكاليف التعليم والسكن، فضلاً عن تحسين إجازات الأمومة والآباء. والهدف هنا واضح: خلق بيئة مشجّعة على تكوين الأسرة وتخفيف العبء عن الجيل الجديد من الآباء العاملين.

ومع أن التحديات ما زالت قائمة، لا سيما على مستوى التفاوت في التنمية بين المدن الكبرى والمناطق الريفية، ثمة إشارات واضحة الآن على تضييق الفجوة. ففي مقاطعات مثل غويتشو وسيتشوان، التي كانت تعاني في الماضي من نقص الخدمات، أُطلقت برامج تطوير ريفي تهدف إلى خلق مراكز صناعية صغيرة وربطها بشبكات لوجيستية متطورة. ويُعد هذا التوجه جزءاً من استراتيجية أوسع لتوزيع التنمية بشكل أكثر عدالة.

وفي الجانب الاستهلاكي، شهدت الصين خلال الأشهر الأخيرة تعافياً تدريجياً في الإنفاق الداخلي، بعد سنوات من الانغلاق الذي سبّبته جائحة «كوفيد – 19» والتقلبات في سوق العقارات. ومع تخفيف القيود على القروض العقارية وتوسيع نطاق برامج دعم الأسر، عادت العائلات الصينية لتخطّط للإنفاق على المدى الطويل، ما أعاد الحيوية لقطاع التجزئة والخدمات.

مطار تشنغدو – تيانفو الدولي الجديد في مدينة تشنغدو، عاصمة مقاطعة سيتشوان (غيتي)

تعافي قطاع الخدمات

هذا التعافي لم يقتصر على الإنفاق الفردي، بل شمل أيضاً قطاع الخدمات، حيث سجلت الصين في النصف الأول من 2025 إجمالي تجارة خدمات بلغ 3.89 تريليون يوان، بزيادة 8 في المائة على أساس سنوي. وبرزت خدمات السفر بوصفها أكبر مساهم مع زيادة صادراتها بنسبة 68.7 في المائة ما يعكس انتعاشاً في الحركة السياحية والانفتاح الخارجي.

أما في قطاع الطاقة، فقد واصلت الصين خطواتها الريادية بثبات. ففي النصف الأول من 2025، أضافت الصين أكثر من 100 غيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى شبكتها الوطنية، مع خطة لمضاعفة هذا الرقم قبل نهاية العام.

هذه الأرقام لا تعكس تحولاً بيئياً فقط، بل أيضاً تعني تحولاً اقتصادياً، إذ إن الصناعات المرتبطة بالطاقة الخضراء باتت تمثل مصدراً مهماً للوظائف والنمو المحلي، خصوصاً في المدن المتوسطة والصغيرة.

وو بينغ، الباحث الاقتصادي في جامعة «تسينغهوا» المرموقة في العاصمة بكين، يرى أن «التحول الصيني الحالي لا يجب النظر إليه بوصفه تباطؤاً في الطموح، بل بوصفه نضجاً في الرؤية». ويضيف: «بعد أربعة عقود من النمو المُفرط، آن الأوان للبلاد أن توازن بين السرعة والجودة. وهذا بالضبط ما يحدث الآن».

تصريح وو يعكس جوهر التحوّل الحالي، أي: النموذج التنموي الجديد لا يلهث خلف الأرقام، بل يسعى إلى خلق نظام اقتصادي متماسك، ومتجدد، وإنساني.

وهنا من المهم الإشارة إلى أن هذا التحول لا يأتي في عزلة. فالصين رغم التوترات الجيوسياسية القائمة، فإنها تواصل توسيع انخراطها الاقتصادي الدولي، حيث شهد عام 2025 توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية مع دول آسيوية وأفريقية، ضمن إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي جرى تحديث أهدافها لتشمل مشاريع رقمية وبيئية إلى جانب البنية التحتية التقليدية. مثل هذه الاتفاقيات تُعزز من مكانة الصين بوصفها مصدراً للاستثمار والتكنولوجيا في العالم النامي، وتفتح أمامها أسواقاً جديدة للنمو المستدام.

ومع ازدياد الدور الدولي للعملة الصينية «اليوان»، التي باتت تُستخدم بشكل أوسع في التجارة الثنائية مع دول مثل البرازيل وإندونيسيا ومصر، تتعزز مكانة الصين بوصفها قوة مالية لا تقل أهمية عن قوتها الصناعية. وفي هذا السياق، تبذل الحكومة جهوداً متواصلة للحفاظ على استقرار الأسواق المالية المحلية، بما يضمن ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.

وبينما يُعيد الاقتصاد العالمي ترتيب أوراقه، تُثبت الصين من جديد أن التطوير القائم على المعرفة والانفتاح المدروس، هو الطريق الأكثر فاعلية لضمان استقرار الأسواق وتحقيق التنمية الشاملة. ولئن كانت الصناعات التقليدية مثّلت في السابق عصب الاقتصاد الصيني، فإن الخدمات كثيفة المعرفة والطاقة الخضراء والابتكار الصناعي هي الآن مستقبل الصين.

عقبات وتحديات

كل هذه المؤشرات لا تعني طبعاً أن الطريق خالٍ من العقبات. إذ لا يزال أمام الصين تحديات تتعلق بتبعات أزمة العقارات والتوازن بين السوق والرقابة الحكومية إلى جانب التعامل مع البيئة الدولية المتقلبة. لكن الفرق أن بكين اليوم لا تتهرب من هذه التحديات، بل تُدرجها في حساباتها وتتعامل معها بأدوات مدروسة. ثم إن الصين، التي لطالما ارتبط اسمها بالسرعة والانضباط الشديد في النمو، تُعيد الآن تعريف ذاتها على نحو أكثر هدوءاً واستقراراً.

لقد أدركت الصين أن الاقتصاد، في النهاية، لا يُقاس فقط بما يضيفه من أرقام على الورق، بل بما يخلقه من فرص وما يزرعه من ثقة وما يحمله من طمأنينة للمستقبل. ولهذا تراهن الآن على «اقتصاد طويل النفس»، اقتصاد لا يحرق المراحل بل يَبنيها. ومع دخول النصف الثاني من 2025، يبدو أن هذا الرهان بدأ يؤتي ثماره.

شعار شركة «تشياومي» (أ.ف.ب)

كبريات الشركات والقطاعات الصناعية والتجارية الصينية

> سلّط تحقيق لمؤسسة «ستريتس ريسريتش» العالمية المرموقة المتخصصة في أبحاث السوق والاستقصاءات والدراسات التخصصية، الضوء على واقع كبريات الشركات الصينية. وركّز على الشركات العشر الكبرى على صعيد الرسملة السوقية حتى 25 مارس (آذار) الماضي. ومما بينه التحقيق أن هذه الشركات تعكس هيمنة الصين على كثير من القطاعات الصناعية عالمياً. تتصدّر القائمة شركة «تنسنت» العملاقة، الشهيرة بمنتجاتها في قطاع البرمجيات وحضورها القوي في مجال التجارة الإلكترونية (الأونلاين) برسملة سوقية تبلغ 593.81 مليار دولار. وتحتل المرتبة الثانية شركة «علي بابا»، الشهيرة بقوتها في قطاعي التسويق الإلكتروني والبريدي، بـ316.42 مليار، ثم بنك الصين التجاري (آي سي بي سي) بـ313.65 مليار. بعد هذا «الثلاثي» يحتل المراتب التالية كل من: شركة «كوايتشاو موتاي» (للمشروبات) بـ275.17 مليار، ثم «بنك الصين الزراعي» بـ245.22 مليار، ثم شركة «تشاينا موبايل» (للجوالات) بـ233.78 مليار، ثم «بنك الصين للإعمار» بـ222.89 مليار، ثم «بنك الصين» بـ209.86 مليار، ثم شركة «بترو تشاينا» (للنفط) بـ203.27 مليار، ثم شركة «تشياومي» (للمنتجات الاستهلاكية الإلكترونية) بـ172.49 مليار. على صعيد آخر، ولجهة الصناعات الأكثر إيراداً، يتصدّر قطاع صناعة مناجم النحاس القائمة محققة 13897.9 مليار دولار، يليها قطاع البناء والإنشاءات في المرتبة الثانية بـ2797.4 مليار دولار، ثم قطاع مبيعات التجارة الإلكترونية (الأونلاين) بإيرادات تبلغ 2547.5 مليار متقدماً على قطاع التطوير والاستثمار العقاري الذي سجل 2086.6 مليار. واحتلت المراتب التالية، بالترتيب: قطاعات كل من صناعة التسويق البريدي بـ2067.5 مليار، والعقارات السكنية بـ1709 مليارات، ثم مشاريع بناء الجسور والأنفاق وقطارات الأنفاق بـ1563.5، ثم تطوير البرمجيات بـ1331.3 مليار، ثم صناعة الفولاذ بـ1296.4 مليار، ثم تكرير النفط بـ1007.1 مليار، ثم تكرير النفط بـ 1007.1 مليار.

*رئيس «معهد طريق الحرير للدراسات والابحاث» ورئيس «الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل»

شاركها.
Exit mobile version