أفغانستان: مصاعب بسبب عودة مليوني لاجئ من إيران وباكستان

كان غُلام علي حسيني، أفغاني الجنسية، يكسب 6 دولارات يومياً، من عمله بمجال البناء في جنوب إيران – مبلغ كان يكفيه لاستئجار منزل صغير، والإنفاق على والدته وأخيه المريض اللذين كانا يعيشان معه.

وصول الأفغان المطرودين من إيران إلى مركز معالجة في بلدة إسلام قلعة الحدودية بأفغانستان الأسبوع الماضي (نيويورك تايمز)

إلا أنه ذات يوم تلاشى العمل، ومعه المنزل وضمان الحصول على 3 وجبات يومياً، بسبب ترحيل حسيني وعائلته إلى أفغانستان، الشهر الماضي، ضمن مليوني أفغاني تعرضوا للطرد من الدول المجاورة؛ الأمر الذي يدفع بالاقتصاد الأفغاني المتداعي أصلاً إلى حافة الانهيار.

عن ذلك، قال حسيني، أثناء احتسائه الشاي الأخضر، في منزل أحد أقاربه، حيث لجأت عائلته بصورة مؤقتة بعد رحلة بلغت نحو 1500 ميل من إيران: «لا أشعر بالارتياح، بسبب عجزي عن إيجاد منزل لنفسي»، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الأحد.

أحد أعضاء حركة «طالبان» في الوسط يساعد الأفغان المطرودين من إيران لدى وصولهم إلى مدينة إسلام قلعة الحدودية في أفغانستان الشهر الماضي (نيويورك تايمز)

اليوم، بعد أربع سنوات من حكم حركة «طالبان»، تواجه أفغانستان أزمتين كبيرتين على نحو مباشر، تدفعان شعب أحد أفقر بلدان العالم إلى دوامة تبدو دون نهاية من البؤس والجوع والتشريد.

تكمن الأزمة الأولى في عودة جماعية لأفغان، معظمهم كانوا يعيشون في إيران وباكستان. وأدَّت موجة عارمة من مشاعر كراهية الأجانب والضغوط السياسية داخل هاتين الدولتين، إلى حملة من الترحيلات والإعادات القسرية. واليوم، يعود ملايين الأفغان دون وظائف (وكثير منهم دون منازل أيضاً) إلى بلد يحتاج أكثر من نصف سكانه البالغ عددهم 42 مليون نسمة، بالفعل إلى مساعدات إنسانية.

أفغانيات في موقع تسجيل عند معبر إسلام قلعة الحدودي بعد العودة من إيران (متداولة)

المساعدات الأجنبية

أما الأزمة الثانية؛ فهي الانخفاض المفاجئ في المساعدات الأجنبية، خصوصاً بعد انتهاء عمل «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، هذا العام، ما أدى بالفعل إلى إغلاق أكثر من 400 منشأة صحية، وترك مئات الآلاف داخل أفغانستان، من دون القدرة على الحصول على الغذاء بانتظام.

وتضيف البطالة المتزايدة عبئاً إضافياً، وتعصف حتى أولئك الذين كانوا ينعمون بوظائف آمنة من قبل. وفي ظل شح السيولة، وحرمانهم من المساعدات الأجنبية، أقدمت «طالبان»، عبر الأشهر الأخيرة على تسريح الآلاف من موظفي الحكومة وعناصرها الأمنية.

مركز استقبال على الجانب الأفغاني من معبر الحدود في إسلام قلعة الشهر الماضي (نيويورك تايمز)

وفي تعليقه على الوضع، قال إبراهيم بهيس، المحلل معني بالشأن الأفغاني لدى «مجموعة الأزمات الدولية»: «هذه الأزمات تخلف تأثيراً متسلسلاً على اقتصاد كان يعاني بالفعل من سنوات عصيبة للغاية».

عاصفة اقتصادية

ووصف بيتر شودري، الخبير في السياسات المقيم بكابل، لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الوضع بأنه «عاصفة اقتصادية بكل ما تحمله الكلمة من معنى في كثير من الجوانب».

وتعصف هذه الأزمات بأفغانستان، في الوقت الذي كان اقتصادها يتعافى ببطء. وتكشف الأرقام عن انكماش بمقدار الربع بعد سيطرة «طالبان» على مقاليد الحكم بالبلاد، في أغسطس (آب) 2021، إلا أنه حقق نمواً بنسبة 2.5 في المائة، العام الماضي.

وتشهد الإيرادات الضريبية ورسوم التعدين ارتفاعاً مستمراً، في الوقت الذي بدا سياح أجانب يتوافدون من جديد لزيارة بقايا تماثيل بوذا في باميان، أو لالتقاط صور على التلال المطلة على كابل. كما تبدو العاصمة وكأنها ورشة بناء ضخمة، مع طفرة في المباني وتشييد طرق جديدة.

سائح أميركي (على اليمين) ومرشده الأفغاني خلال زيارة العام الماضي إلى ما تبقى من تماثيل بوذا التي يبلغ عمرها 1600 عام والتي دمرتها «طالبان» في أفغانستان (نيويورك تايمز)

إضافة لذلك، تعهَّدت بعض الدول والشركات الأجنبية بمساعدة الاقتصاد الأفغاني الناشئ. وفي الأسابيع الأخيرة، وقعت «طالبان» خطة بقيمة 10 مليارات دولار مع شركة طاقة مقرها الإمارات، لإنتاج الكهرباء في البلاد. وتعهّدت الصين كذلك، هذا العام، بزيادة وارداتها من الصنوبر الرملي (حبوب الصنوبر)، والرمان، والأحجار الكريمة والمعادن من أفغانستان. كما زار وزير الخارجية الصيني وانغ يي، كابل، هذا الشهر.

وجاء الاعتراف الأخير من روسيا بحكومة «طالبان»، ليعزز الأمل في صفوف المسؤولين الأفغان في أن تحذو دول أخرى حذوها، وتوفر دعماً مالياً هم في أمسّ الحاجة إليه.

امرأة تسير أمام موقع عسكري مهجور قرب غزنة بأفغانستان في ديسمبر (نيويورك تايمز)

ومع ذلك، جاء النمو الأخير في الاقتصاد متواضعاً للغاية، بحيث لم يُترجم إلى تحسن في مستويات معيشة معظم الأفغان، بحسب ما أفاد به «البنك الدولي». وتشير الأرقام إلى أن أفغانستان تلقت أكثر من 4 مليارات دولار سنوياً، في صورة مساعدات إنسانية وتنموية بين عامي 2001 و2021، جاء الناتج المحلي الإجمالي اليوم أقل مما كان عليه عام 2011.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن ثلاثة أرباع الأسر الأفغانية تفتقر إلى الوصول الآمن للاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والصرف الصحي والمياه والرعاية الصحية والسكن الملائم.

كما أن نحو 3.5 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية، بحسب «اليونيسف». وقد شهد هذا العام أعلى زيادة في معدلات سوء التغذية لدى الأطفال جرى تسجيلها على الإطلاق في تاريخ البلاد.

أعضاء من حركة «طالبان» يوزعون مساعدات نقدية في مركز استقبال على الجانب الأفغاني من معبر إسلام قلعة الحدودي الشهر الماضي (نيويورك تايمز)

من جهة أخرى، تُفاقِم القيود الصارمة على العمل في أفغانستان حالة الطوارئ. وقد جابه الأفغان وصولاً محدوداً إلى أسواق العمل في إيران وباكستان. ومع ذلك، كان يُسمح للرجال والنساء بالعمل، في مهن، مثل الحلاقة، أو الاهتمام بالبساتين، أو الرعي، أو أعمال البناء، وغير ذلك من الوظائف.

على النقيض، حرمت القيود الجذرية على عمل النساء داخل أفغانستان، نصف قوة العمل في البلاد من معظم فرص العمل.

على سبيل المثال، كانت إيلاها، 19 عاماً، تعمل في صالون تجميل في إيران، لكنها منذ أن جرى ترحيلها رفقة عائلتها إلى أفغانستان، في يونيو (حزيران)، تجلس في المنزل دون عمل. أما شقيقها ووالدها، وكلاهما كان يعمل في مجال البناء في إيران؛ فلم يتمكنا بعد من العثور على وظائف. وعلقت على الوضع بقولها: «نحن ننتظر فحسب».

وقد تحدثت إيلاها، وبعض الأفغان الآخرين إلينا، بشرط عدم الكشف عن هويتهم أو باستخدام أسمائهم الأولى فقط، خوفاً من التعرض لانتقام.

من ناحية أخرى، فإن عودة الكثير ممن كانوا يعيشون في الخارج قطعت تحويلات مالية حيوية، نظراً لأن الكثيرين من أبناء الجالية الأفغانية في المهجر كانوا يدعمون أسرهم داخل البلاد.

في أحد صباحات هذا الربيع، اجتاز نقيب الله إبراهيمي الحدود بين إيران وأفغانستان، بينما كان يجر حقيبة مليئة بالملابس. في أصفهان، المدينة الواقعة في وسط إيران، كان يكسب 300 دولار شهرياً في مصنع لإنتاج مواد كيميائية لمكيفات الهواء وخراطيم الإطفاء. كان العمل شاقاً، وكان يستنشق المواد الكيميائية باستمرار رغم ارتدائه قناعاً للحماية. ومع ذلك، كان يتمتع بالطعام والمسكن مجاناً، وكان قادراً على إرسال معظم ما يكسبه إلى والدته في أفغانستان، حسبما قال.

إلا أن هذا الدعم اختفى الآن، بسبب ترحيل إبراهيمي إلى أفغانستان، بعد أن داهمت الشرطة الإيرانية المصنع في مايو (أيار)، وألقت القبض على جميع العمال الأفغان. وقال أكثر من 10 أفغان عائدين إنهم لم يتمكنوا من سحب الأموال التي كانت بحساباتهم في البنوك الإيرانية، أو استرداد ودائعهم من الملاك.

من جهتهم، اشتكى عمال الإغاثة من أن الاستجابة الإنسانية لهذا النزوح القسري لا تمثل إلا قطرة مما ينبغي أن تكون، ويخشون أن تتفاقم الأمور مع قدوم الشتاء. يُذكر أن الحكومة الباكستانية أعلنت هذا الشهر، نيتها طرد 1.3 مليون لاجئ أفغاني إضافي.

من ناحيتها، تعهَّدت السلطات الأفغانية ببناء عشرات البلدات في أنحاء البلاد، لكن لم يُستكمل أي منها حتى الآن. وفي كابل المكتظة بالسكان، يطرد الملاك المستأجرين لإفساح المجال لأقاربهم العائدين من إيران.

ووصف عبد الرحمن حبيب، المتحدث باسم وزارة الاقتصاد التي تديرها «طالبان»، تدفق العائدين بأنه «قضية خطيرة»، لكنه استطرد بأن بإمكانهم المساهمة في إعادة بناء البلاد. ودعا الشركات الأجنبية إلى الاستثمار في أفغانستان.

أما الحكومة الفقيرة في البلاد، فقد ظلت تخفض الرواتب، وأعلنت خططاً لتقليص وظائف القطاعات المدنية والدفاعية، بمقدار 90 ألف وظيفة.

واشتكى موظف في إدارة مالية إقليمية من أنه لم يعد قادراً إلا على إنفاق ثلث ما كان ينفقه سابقاً على الطعام، بعد خفض راتبه. وقال قائد سابق في القوات المسلحة جرى تسريحه حديثاً، ويعمل الآن سائق سيارة أجرة، إنه قلّص عدد وجبات أسرته اليومية إلى وجبتين فقط.

كما جرى وضع آلاف من الجنود وأفراد الأمن الإضافيين في وضع «احتياط نشط»، أي أنهم لم يعودوا يتقاضون رواتب. وقال محمد، عامل فني سابق في الجيش، عن «طالبان»: «حتى وإن قالوا لنا إنهم سيوظفوننا في المستقبل، فأنا لا أرى أي أمل».

شاركها.
Exit mobile version