يتعرض وقف إطلاق النار الهش، المستمر منذ 8 أبريل/نيسان الماضي، لاختبار قاسٍ بعد تحول مياه مضيق هرمز إلى ساحة اشتباك مباشر بين الولايات المتحدة وإيران. الشرارة انطلقت مع إعلان واشنطن عن “مشروع الحرية” بهدف مساعدة السفن العالقة في الخليج، في ظل حصار بحري أمريكي مفروض على الموانئ الإيرانية.
اصطدم هذا التحرك برفض إيراني معلن، ومساعٍ لتثبيت واقع جديد تعتبر فيه طهران المضيق جزءا من سيادتها. يطرح هذا الوضع تساؤلا جوهريا: هل نحن أمام انزلاق نحو حرب شاملة، أم إنها مجرد لعبة “تصعيد محسوب” لتحسين شروط التفاوض؟
روايتان متناقضتان
شهد يوم الاثنين مواجهة بحرية تضاربت حولها الروايات بشكل واضح، مما زاد من تعقيد المشهد. أكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) نجاح مدمرتين في مرافقة سفينتين تجاريتين أمريكيتين عبر المضيق، فيما نفت طهران هذه الرواية.
أعلنت سنتكوم تدمير 6 زوارق إيرانية، واعتراض مسيّرات وصواريخ كروز حاولت استهداف السفن المدنية. من جانبها، نفت طهران إصابة أي من زوارق الحرس الثوري، لكنها اتهمت واشنطن بمهاجمة قاربين مدنيين بين عُمان وإيران، مما أسفر عن مقتل 5 ركاب.
في مقابل الرواية الأمريكية، صرح وزير الدفاع الأمريكي بأن العملية “مؤقتة” وأن واشنطن “لا تسعى إلى القتال”، مؤكدا أن وقف إطلاق النار “لم ينتهِ”.
اختناق ملاحي وخريطة جديدة
تُظهر خرائط حركة السفن عبور السفينة “ألايانس فيرفاكس” تحت مرافقة عسكرية، في وقت تتحدث فيه التقارير عن تكدس نحو 60 سفينة قبالة سواحل دبي، اضطرت إلى التراجع والتموضع بعيدا عن مناطق العمليات.
تقدر منظمات دولية وجود نحو 22500 بحار على متن 1550 سفينة من 87 دولة عالقة في مياه الخليج، مما يشير إلى أزمة إنسانية واقتصادية خانقة.
لم يقتصر التوتر على المضيق، فقد أفادت الإمارات بتعرضها لهجوم بـ 15 صاروخا و4 طائرات مسيرة قادمة من إيران، أدى إلى حريق في منشأة نفطية وإصابة 3 مدنيين. ترافق ذلك مع نشر إيران خريطة توسع نطاق سيطرتها لتشمل أجزاء من ساحل الإمارات، فيما يُنظر إليه كتلميح بحصار بحري شبه كامل.
تحليل المشهد
في قراءة تحليلية لتطورات الأزمة، يبدو المشهد العام محكوما بقواعد اشتباك دقيقة ومناورات حذرة لاختبار الخطوط الحمراء. يشير الخبير العسكري العميد حسن جوني إلى أن الطرح الإيراني الجديد يعتبر المضيق جزءا من الجغرافيا الإيرانية، مما يمنحهم حق مراقبة السفن وحتى فرض رسوم عبور، وهو ما يُستخدم كورقة تفاوض.
من جانبه، يرى اللواء محمد عبد الواحد، الخبير في الأمن البحري، أن واشنطن تسعى لـ”فتح جزئي” لمنع إيران من تكريس الإغلاق. توضح إيران تكتيك إلحاق أضرار محدودة بوسائل منخفضة الكلفة لتحقيق أثر نفسي وعملياتي.
يشير الباحث السياسي سليم زخور إلى أن التحرك الأمريكي يسير في مسارين: ميداني عبر “مشروع الحرية”، ودبلوماسي عبر السعي لإعادة تشكيل تحالف دولي لتأمين الملاحة، بالإضافة إلى مشروع قرار يناقش في الأمم المتحدة.
المسار الدبلوماسي
وسط هذه التوترات، لا تزال الدبلوماسية تعمل بخطوط خلفية. قدمت إيران مقترحا يؤجل ملفها النووي إلى ما بعد إنهاء الحرب، لكن الولايات المتحدة تبدو مستعدة لرفضه. في تحرك موازٍ، توجه وزير الخارجية الإيراني إلى بكين لإجراء محادثات مع نظيره الصيني.
يؤكد الباحث الإيراني محمد صالح صدقيان ضرورة الاحتكام لـ”الواقعية السياسية” للذهاب إلى مفاوضات. يشير إلى أن الولايات المتحدة تريد صفقة قائمة على مبدأ “رابح-رابح”.
السيناريوهات: إلى أين يتجه المضيق؟
في ضوء هذه المعطيات، تتأرجح الأزمة بين ثلاثة سيناريوهات محتملة. السيناريو الأول هو “الفتح الجزئي المُدار”، حيث تنجح واشنطن في إخراج عدد محدود من السفن تحت حماية مكثفة، فيما تواصل إيران مناوشاتها منخفضة التكلفة، مع استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم”.
السيناريو الثاني هو “العودة للحرب المفتوحة”، في حال وقوع خطأ في الحسابات أو استهداف مميت لسفينة أمريكية، مما قد يؤدي إلى رد فعل واسع النطاق يستهدف البطاريات والقواعد الإيرانية. أما السيناريو الثالث، فهو “الاختراق الدبلوماسي”، حيث يؤدي الضغط الاقتصادي على إيران وتخوف واشنطن من تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط، إلى تقديم تنازلات متبادلة تفضي إلى تسوية سياسية توقف التصعيد.



