مع حلول الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، يرسم صراع مستمر واقعًا جيوسياسيًا جديدًا، مخلفًا حصيلة كارثية على جميع الأطراف. ما بدأ كـ”عملية عسكرية خاصة” سريعة، تحول إلى أطول وأشد الحروب الأوروبية منذ عقود، مع استمرار الجمود الدبلوماسي وتزايد التكاليف البشرية والاقتصادية.

الحرب الروسية – الأوكرانية ترسم واقعًا جيوسياسيًا جديدًا في عامها الرابع

في فجر 24 فبراير 2022، اخترقت الدبابات الروسية الحدود الأوكرانية، في هجوم توقع الكرملين أن يكون قصيرًا وسريعًا، يؤدي إلى سقوط كييف ووضع العالم أمام واقع جديد. إلا أن المقاومة الأوكرانية الشرسة قلبت هذه التوقعات رأسًا على عقب، محوّلة العملية المحددة في البداية إلى صراع ممتد تكبد فيه الطرفان خسائر فادحة.

مع دخول الحرب عامها الخامس، تتجلى تداعياتها المعقدة على الصعيدين الإقليمي والدولي. تشير التقديرات إلى ملايين الضحايا، وتدمير واسع للبنية التحتية، وأزمات غذائية عالمية، وفرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على روسيا. كما شهدت الخارطة الجيوسياسية تحولات جذرية، أبرزها توسع حلف “ناتو” وزيادة الاعتماد الأوروبي على الدعم الأمريكي.

حصيلة قاسية وتداعيات عالمية

وفقًا لدراسة حديثة من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، خلفت الحرب نحو مليوني ضحية من العسكريين الروس والأوكرانيين بين قتلى وجرحى ومفقودين. وتُقدر الخسائر الروسية بما يصل إلى 325 ألف قتيل، ومليون و200 ألف بين قتيل وجريح ومفقود، بينما تقدر الخسائر الأوكرانية بين 500 ألف و600 ألف ضحية.

لا تقتصر الخسائر الأوكرانية على الجانب البشري، فقد سيطرت روسيا على نحو 20% من الأراضي الأوكرانية، وتسببت الحرب في تشريد ملايين الأوكرانيين. كما عمّق الصراع الأزمات الغذائية العالمية، وأدى إلى رفع أسعار الوقود، وفرض عقوبات دولية خانقة على روسيا وبيلاروسيا.

على الصعيد الجيوسياسي، شهدت أوروبا تغيرات جذرية، كان أبرزها انضمام فنلندا والسويد إلى حلف “ناتو”، وزيادة اعتماد أوكرانيا على المساعدات العسكرية الغربية، فيما اتجهت روسيا نحو تعزيز تحالفاتها مع دول مثل الصين وكوريا الشمالية.

أوروبا في موقف صعب وروسيا تفاوض من موقع قوة

تُعتبر أوكرانيا الخاسر الأكبر في هذه المواجهة، حيث تواجه ضرورة تقديم تنازلات سيادية لوقف الحرب. كما تُعتبر أوروبا الخاسر الثاني، إذ أصبحت ساحة لاختبار توازنات القوى، وتجد دولها ممزقة بين الاعتماد على الحماية الأمريكية وعدم القدرة على تحمل تكاليف الحرب بمفردها.

يرى بعض المحللين أن القادة الأوروبيين ارتكبوا خطأً فادحًا بعدم إدراكهم لـ”هشاشتهم الجيوسياسية”، مما خدم موسكو وعزز موقعها. وبدلاً من الانهيار المتوقع، استمرت روسيا في ترسيخ قوتها، بينما ظل الغرب أسيراً لنظرة قديمة لم تتواءم مع انتقال مركز القوة الجيوسياسية إلى خارج أوروبا.

في المقابل، يبدو الكرملين في موقع قوة نسبيًا على طاولة المفاوضات، رغم طول أمد الحرب. تصر موسكو على شروطها، مدركة أن أي خسارة ستؤثر على هيبة الرئيس بوتين وقيادته، خاصة مع وعوده ببقاء الأراضي الأوكرانية التي ضمتها “روسية إلى الأبد”. كما تعتبر روسيا أن فكرة “إلحاق هزيمة استراتيجية” بها قد فشلت.

تؤكد دراسات أن الاقتصاد الروسي لم ينهار تحت وطأة العقوبات، بل حقق نموًا ملحوظًا. وتشير التقارير إلى أن روسيا، باستخدام تعادل القوة الشرائية، تتفوق على ألمانيا في قدرتها على تصنيع الأسلحة، مؤكدة أن “روسيا لا تحتاج إلى الدولار أو اليورو لإنتاج الدبابات والصواريخ”.

خرائط جديدة وإمكانات التفاوض

مع حلول الذكرى الرابعة للحرب، تمكنت موسكو من تكريس واقع ميداني جديد يوفر لها هوامش تفاوض أوسع. يشير العرض الأمريكي المحتمل لـ”تبادل الأراضي” إلى اعتراف واشنطن بضرورة تنازل أوكرانيا عن جزء من أراضيها مقابل السلام.

تُظهر التقديرات العسكرية أن الجيش الروسي يسيطر حاليًا على نسبة كبيرة من المناطق التي ضمتها موسكو، بما في ذلك 99.7% من لوغانسك، و79% من دونيتسك، وغيرها. وتُشير هذه المكاسب إلى أن روسيا قد تمتلك القدرة على البقاء في هذه المناطق ضمن أي اتفاق سلام مستقبلي.

بالإضافة إلى ذلك، أقامت روسيا مناطق عازلة لتبعد مصادر النيران عن المناطق الواقعة تحت سيطرتها. وفي حين تتزايد اعتماد أوكرانيا على الطائرات المسيرة لاستهداف العمق الروسي، فإن ذلك لم يؤثر بشكل كبير حتى الآن على خطوط التماس.

أمام هذه التطورات، أصبحت مسألة التفاوض على الأراضي أكثر تعقيدًا بالنسبة لأوكرانيا. فبينما ترى روسيا أنه لم يبقَ شيء للتفاوض عليه من الناحية الميدانية، تظل قضايا مثل حياد أوكرانيا وتقويض جيشها ومنع دخول قوات أجنبية عوامل محتملة في أي محادثات سلام مستقبلية.

شاركها.
Exit mobile version