تثير تصريحات وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري، حول ضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الإدارات الأمريكية المتعاقبة لشن ضربات عسكرية ضد إيران، تساؤلات حول الأسباب التي دفعت هذه الإدارات، باستثناء إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، إلى تجنب هذا الخيار العسكري. كشف كيري أن نتنياهو حث رؤساء أمريكيين بدءًا من جورج دبليو بوش، مرورًا بباراك أوباما وجو بايدن، على اتخاذ إجراءات عسكرية ضد طهران، لكن جميعهم رفضوا ذلك.
هذه التصريحات تلقي الضوء على تعقيدات السياسة الأمريكية تجاه إيران، وتكشف عن خلافات عميقة بين صناع القرار حول جدوى العمل العسكري، خاصة في ظل تحذيرات من مسؤولين عسكريين واستخباراتيين سابقين. يبرز النقاش حول “محدودية الأهداف والقدرات العسكرية” و “إشكالية الرد الإيراني” كعناصر أساسية في فهم هذا التردد.
حدود الأهداف والقدرات العسكرية
استندت مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تقديرات ودراسات معمقة تناولت تداعيات شن حرب على إيران. ومن أبرز هذه الدراسات، تقرير عام 2012 بعنوان “تقييم فوائد وتكاليف العمل العسكري ضد إيران”، والذي حظي برعاية رموز من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ضم 32 مسؤولاً سابقاً وخبيراً في الأمن القومي. شمل الموقعون شخصيات بارزة مثل مستشار الأمن القومي السابق زبيغنيو بريجنسكي، ووزير الدفاع الأسبق تشاك هيغل، ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق بول فولكر، بالإضافة إلى قادة سابقين في القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم).
رغم الضغوط الإسرائيلية المتزايدة، وإيران، وعدم اليقين بشأن نواياها، رجحت الدراسة أن أي هجوم استباقي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لن يؤدي إلى تغيير النظام أو انهياره، بل قد يستنزف خزينتها ويزيد التوترات الداخلية. ومع ذلك، لن تتسبب في استسلامها، بل ربما تدفع المواطنين الإيرانيين إلى الاصطفاف خلف حكومتهم.
خلصت هذه الدراسة إلى أن الحملة الجوية وحدها لن تكون كافية لتدمير برنامج إيران النووي، وأنها قد تؤدي فقط إلى تأخيره لمدة تتراوح بين عامين وأربعة أعوام على أقصى تقدير. يرجع ذلك إلى طبيعة البرنامج النووي الإيراني، الذي يشمل مواقع متعددة وموزعة جغرافياً، بالإضافة إلى تحصين بعض المنشآت في أعماق الأرض، مما يجعلها عصية على التدمير الكامل، خاصة بالنسبة للقدرات العسكرية الإسرائيلية المحدودة مقارنة بالمنشآت مثل “فوردو”.
تشير تقديرات إلى أن الضربات الأمريكية قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالمواقع النووية الرئيسية، لكنها لا تضمن القضاء التام على البرنامج. ويرجع ذلك إلى احتمال وجود منشآت سرية، وقدرة طهران على إعادة بناء ما دمرته بالاعتماد على خبرتها العلمية المتراكمة. هذا يعني أن أي حرب قد تولد حاجة إلى تكرار الضربات مستقبلًا، أو القبول بعودة البرنامج النووي إلى مساره بعد الترميم.
تكمن إشكالية أخرى في غياب التوافق داخل واشنطن حول طبيعة الأهداف العسكرية. فبينما تركز التصريحات الرسمية على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، تكشف الدراسة عن اتجاهات أخرى تسعى لتحقيق أهداف أكثر طموحًا، مثل تغيير النظام أو إضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية، وإعادة تشكيل سلوك طهران الإقليمي.
هذا التباين في الأهداف يفتح الباب أمام فخ التصعيد. فالحرب قد تبدأ بهدف محدود، ثم توسع تدريجياً بفعل ديناميات الصراع، لتتطلب حربًا جوية وبحرية طويلة الأمد، وربما تمتد لسنوات، ما قد يستلزم نشر قوات برية واحتلال أجزاء من إيران أو السيطرة على كامل البلاد، بحسب تقديرات الدراسة.
يُقدر الباحث العسكري الأمريكي مايكل أوهانلون أن احتلال إيران يتطلب نحو مليون جندي أمريكي، نظرًا لحجمها الجغرافي الذي يبلغ نحو 1.8 مليون كيلومتر مربع وعدد سكانها الذي يتجاوز 93 مليون نسمة. هذا السيناريو يجعل وضع استراتيجية خروج من الحرب أمرًا بالغ الصعوبة، حيث سيتطلب في نهاية المطاف حلاً سياسيًا.
تتضمن القدرات العسكرية الأمريكية المتوقعة استخدامًا مكثفًا للقوة الجوية، بما في ذلك القاذفات الشبحية والقنابل الخارقة للتحصينات، لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية المدفونة في أعماق الأرض. بالإضافة إلى تدمير أنظمة الدفاع الجوي، ومراكز القيادة والتحكم، وجزء كبير من القواعد والمنشآت العسكرية الرئيسية التابعة للحرس الثوري والجيش.
ومع ذلك، تظل هذه القدرات الأمريكية مقيدة بعدة عوامل. أولها، الجدل القائم حول قدرة الذخائر الأمريكية على تدمير منشآت عميقة مثل “فوردو” بشكل كامل. وتشير التقديرات إلى أن الضربات قد تلحق أضرارًا جسيمة بالمنشأة، لكنها لا تضمن القضاء النهائي عليها. العامل الثاني يتعلق بطبيعة الأهداف، حيث إن نجاح الضربة الأولى لا ينهي العملية، بل يتطلب تقييم الأضرار وإعادة الاستهداف، خاصة إذا تبين أن بعض المنشآت قابلة لإعادة الاستخدام أو أن إيران نجحت في نقل جزء من قدراتها مسبقًا.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أعلنت في عام 2025، على لسان الرئيس ترامب، تدمير المنشآت الإيرانية بالكامل، إلا أنها عادت في عام 2026 لشن حرب تحت شعار “منع إيران من امتلاك سلاح نووي”، مما يعكس استمرار إشكالية هذه القدرات.
إشكالية الرد الإيراني
يُعد طبيعة ومستوى الرد الإيراني عنصرًا جوهريًا في تقييم جدوى العمل العسكري الأمريكي ضد طهران. رجحت دراسة عام 2012 أن إيران لن تكتفي برد محدود، بل ستلجأ إلى مزيج من الأدوات العسكرية، بما في ذلك استخدام الصواريخ الباليستية لضرب إسرائيل، واستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.
توقعت الدراسة أيضًا قيام طهران بشن هجمات على البنية التحتية للبتروكيماويات في الخليج، واستخدام قدراتها البحرية لعرقلة الملاحة في مضيق هرمز، بما في ذلك إغلاقه لأيام أو أسابيع. أدى ذلك إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع حاد في أسعار النفط. وبالفعل، ارتفع سعر برميل النفط من 60 دولارًا قبل الحرب إلى ما يفوق 100 دولار.
حذرت الدراسة أيضًا من تفعيل إيران لشبكاتها الإقليمية، مثل حزب الله والجماعات المسلحة في العراق، لتنفيذ هجمات صاروخية أو عمليات غير تقليدية، مما يوسع نطاق الصراع جغرافيًا ويزيد من تعقيد البيئة العملياتية. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل الصراع إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات.
أخطر ما في العمل العسكري ضد إيران، وفقًا للدراسة، هو ديناميات التصعيد التي قد يُطلقها. فكل رد إيراني سيستدعي ردًا أمريكيًا أو إسرائيليًا، والذي بدوره قد يدفع إيران إلى تصعيد إضافي، في حلقة يصعب التحكم فيها. وتزداد خطورة هذه الديناميات في ظل “ضباب الحرب” وارتفاع مستويات انعدام الثقة، مما يزيد من احتمالات سوء التقدير أو سوء الفهم السياسي أو العسكري.
خلصت الدراسة إلى أن العمل العسكري قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث سيدفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي. الهجوم الأمريكي سيعزز قناعة القيادة الإيرانية بأن تغيير النظام هو الهدف الحقيقي للحرب، مما يدفعها إلى اعتبار السلاح النووي وسيلة ردع ضرورية للحماية من الهجمات المستقبلية.
قد تنسحب إيران من معاهدة عدم الانتشار النووي، وتنهي التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يقلل من قدرة المجتمع الدولي على مراقبة برنامجها النووي ويزيد من الغموض المحيط به. بعد هجمات عام 2025، علقت إيران زيارات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمواقع النووية التي تعرضت لضربات، مما أثار تكهنات حول مدى الضرر الذي لحق بها.
على المستوى الدولي، يبرز احتمال تآكل نظام العقوبات، خاصة في حال تنفيذ الهجوم الأمريكي دون تفويض أممي. كما أن ارتفاع أسعار النفط العالمي واضطراب أسواق الطاقة يمس بالأمن الدولي والإقليمي، فضلاً عن إلحاق الضرر بسمعة الولايات المتحدة.
رؤى مغايرة
تكشف تصريحات جون كيري، وبانيتا، وغيتس، عند النظر إليها ضمن تقديرات الدراسة، عن مفارقة في السلوك الأمريكي تجاه إيران. فبينما ظل خيار الحرب حاضراً نظرياً على الطاولة لعقود، امتنعت الإدارات المتعاقبة عن تفعيله عملياً لإدراكها حدود هذا الخيار، والحذر مما سيسفر عنه.
أي عمل عسكري دون الغزو البري لن يحقق الهدف المعلن بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وأقصى المأمول من الضربة هو تأخير القدرات الإيرانية عدة سنوات، مع بقاء إمكانية إعادة البناء قائمة، مما يطرح سؤالاً حول مدى استعداد واشنطن لتكرار الضربات كلما أعادت إيران بناء برنامجها.
يُجسِّد منطق جيمس ماتيس، الذي نقله مايك بومبيو، فكرة أن شن حرب على إيران يعني الدخول في مسار تصعيدي تملك طهران أدوات مؤثرة فيه. في المقابل، يمثل موقف بومبيو تصورًا مغايرًا، يفترض قدرة الولايات المتحدة على التحكم في سلم التصعيد استناداً إلى تفوقها العسكري والاقتصادي.
يرجع تردد الإدارات الأمريكية المتتالية تجاه شن عملية عسكرية على إيران إلى تقديرات تشير إلى أن الحرب قد تؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تعزيز الدافع الإيراني نحو امتلاك سلاح نووي، وتآكل منظومة الرقابة الدولية، واضطراب علاقات واشنطن مع حلفائها في حال شن الحرب بشكل أحادي.
أدت تحليلات حسابات فوائد الحرب وتكاليفها إلى تراجع الإغراء باستخدام القوة، لصالح إدراك أكثر تعقيدًا لطبيعة الصراع. ما جعل الحرب على إيران، رغم حضورها الدائم في الخطاب الأمريكي، خيارًا مؤجلًا، حتى عاد ترامب وقرر شنها.
يبقى السؤال حول ما إذا كانت الإدارات المستقبلية ستتعلم من دروس الماضي وتتجنب تكرار السيناريوهات التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية، أو ستستمر في نهج التصعيد الذي قد يعقد الوضع الإقليمي والدولي.



