في الخامس من مايو 2026، تتكشف مأساة إنسانية عميقة في جنوب لبنان، حيث اضطر آلاف المدنيين إلى مغادرة قراهم وبلداتهم، تاركين وراءهم بيوتهم وأراضيهم وحياتهم التي امتدت جذورها لعقود. لم يكن هذا النزوح مجرد انتقال، بل اقتلاع قاسٍ فرضته ظروف الحرب، مخلفاً وراءه قصصاً موجعة عن الرعب والدمار والفقد.
وتعكس شهادات النازحين، كما ورد في تقرير لقناة الجزيرة، عمق الأزمة التي يعيشونها. فهم يتشبثون بذاكرتهم لتجاوز واقع قاهر، فيما تحولت مواسمهم الزراعية وبيوتهم إلى رماد بفعل القصف الإسرائيلي المتواصل على مناطق جنوبية، ورغم سريان وقف إطلاق النار، تستمر الهجمات مخلفة خسائر بشرية ومادية.
النزوح القسري: النجاة بالروح وترك شقاء العمر
لم يمنح القصف الأهالي متسعاً من الوقت لجمع متعلقاتهم الأساسية أو حتى أوراقهم الثبوتية. فقد فرض عليهم واقع النجاة بأرواحهم تحت وابل النيران، تاركين خلفهم شقاء العمر ومابنوه على مدى سنين. تروي سيدة سبعينية نازحة كيف انقلبت حياتها في ليلة واحدة، وكيف آثرت عدم حمل أي شيء معها، رافضةً التسليم بواقع التهجير، رغم قرب القصف من منزلها.
كانت الوجهة غير محددة، بل محطات متتالية من البحث عن ملجأ آمن. تقول السيدة: “كلنا نزحنا إلى منطقة النبطية، إلى المخيم هنا، تدمّر البيت ونزحنا، ولم يبق لدينا شيء”. في حين يصف نازح من بلدة عيناتا مشقة الطريق التي استمرت 27 ساعة للوصول إلى منطقة آمنة، مؤكداً أن الطريق لم يكن أقل قسوة من لحظة الخروج.
رماد يغطي الذكريات ومستقبل غامض
بالنسبة لأبناء القرى الجنوبية، فإن البيت والأرض هما أكثر من مجرد ممتلكات؛ إنهما الهوية ومصدر الرزق. يعبر مسن لبناني نازح من عيناتا بحسرة عن خسارته لأرضه ومحاصيله وثماره التي اعتنى بها لسنوات. ولم تسلم البيوت من الدمار الممنهج، حتى في أوقات الهدوء المفترضة. تروي سيدة نازحة من قرية “خربة سلم” بمرارة كيف شهدت تدمير منزلها في فجر أحد الأيام، ليتحول إلى رماد في دقائق.
رغم حجم الدمار والقتامة، يبقى الأمل بالعودة هو الخيط الرفيع الذي يتمسك به النازحون. فقد اعتاد أهل الجنوب على دورات التهجير والعودة، لكن حجم الخراب هذه المرة يثير الشك والقلق. يختتم نازح من عيناتا حديثه بواقعية ممزوجة بألم الخبير بمآسي الحروب، قائلاً: “سكان الجنوب اعتادوا الحروب، لكن هذه المرة الوضع غير مسبوق والأمل ضعيف.”
وعلى الرغم من سريان وقف إطلاق النار، يواصل الجيش الإسرائيلي هجماته على الجنوب اللبناني، مما يوقع قتلى وجرحى. تتبادل إسرائيل وحزب الله اتهامات بخرق الاتفاق، فيما يعلن الحزب عن تنفيذ عمليات ضد القوات الإسرائيلية. يظل وقف إطلاق النار مستمراً، لكن التوترات والاتهامات بالخرق تلقي بظلالها على مستقبل الهدوء في المنطقة.



