أعلنت شركتا “أوبن إيه آي” ومايكروسوفت عن تعديل جوهري في اتفاقية شراكتهما طويلة الأمد، وهو ما وصفته الأوساط المتخصصة بأنه “إعلان استقلال ذاتي” لشركة الذكاء الاصطناعي الرائدة. هذه الخطوة، التي دخلت حيز التنفيذ مطلع العام 2026، تنهي بند الحصرية الذي كان يمنح مايكروسوفت الأولوية المطلقة في الوصول إلى تقنيات “أوبن إيه آي” ونشرها، مما يُعد تحولاً استراتيجياً كبيراً في سوق الذكاء الاصطناعي.
وفقاً لتقارير وكالة رويترز، فإن إنهاء “بند الحصرية” يمنح “أوبن إيه آي” حرية العمل مع مزودي خدمات سحابية آخرين، مثل غوغل وأوراكل، فيما يعرف بسياسة “تعدد السحابات” (Multi-cloud). هذا التغيير يأتي بعد سنوات من الاعتماد المتبادل، حيث كانت مايكروسوفت توفر القوة الحوسبية عبر منصة Azure مقابل حقوق حصرية لنماذج “أوبن إيه آي”.
من التبعية إلى الشراكة المتكافئة
منذ استثمار مايكروسوفت الأول في عام 2019، والذي تلاه ضخ 13 مليار دولار إضافي عام 2023، كانت العلاقة تقوم على مقايضة واضحة. كانت مايكروسوفت توفر القوة الحوسبية الهائلة عبر منصة أزور (Azure)، وفي المقابل تحصل على حقوق حصرية لدمج نماذج جي بي تي (GPT) في منتجاتها قبل أي منافس آخر، مما خلق حالة من الاعتماد المتبادل.
إلا أن الاتفاقية الجديدة، التي دخلت حيز التنفيذ في مطلع هذا العام، قلبت هذه الموازين. لقد انتقلت العلاقة من نموذج الحصرية السحابية المطلقة لصالح منصة أزور، إلى سياسة تعدد السحابات (Multi-cloud)، التي تمنح “أوبن إيه آي” مرونة استراتيجية غير مسبوقة. هذا التحول يعكس نمو “أوبن إيه آي” وتحولها من كيان غير ربحي بإدارة معقدة إلى شركة ربحية، تحمل اسم “أوبن إيه آي غروب بي بي سي” (OpenAI Group PBC)، مما خفف من حدة الرقابة القانونية التي كانت تحاصر الشراكة بتهمة الاحتكار.
تداعيات القرار
تتجاوز تداعيات هذا القرار حدود الشركتين، لتشمل عدة محاور رئيسية، أولها يكمن في اشتعال “حروب السحاب”. فمع إنهاء الحصرية، بدأت شركات مثل أوراكل وغوغل بالفعل في الفوز بعقود لاستضافة أجزاء من عمليات التدريب الخاصة بـ “أوبن إيه آي”، مما يعزز من قدرتها التنافسية أمام شركات مثل أنثروبيك (Anthropic) التي تتخذ من Amazon Web Services (AWS) وGoogle Cloud منصات لها.
لم تقف مايكروسوفت مكتوفة الأيدي، فوفقاً لمحللي مؤسسة “ويدبوش سيكيوريتيز” (Wedbush Securities)، بدأت الشركة في “التحوط الاستراتيجي” عبر تطوير نماذجها الخاصة، مثل “فاي-3” (Phi-3)، واستقطاب الكفاءات من شركات منافسة. المحلل الأمريكي دان آيفز يرى أن هذا الاتفاق يمثل “صافي ربح” لمايكروسوفت، لأنها أمّنت حقوق الملكية الفكرية لنماذج “أوبن إيه آي” حتى عام 2032، مع التخلص من الصداع القانوني الناتج عن شبهة الاندماج المقنع.
ردود الفعل
تباينت ردود الفعل في الأوساط التقنية، حيث يرى محللو شركة “بزينس إنسايدر” (Business Insider) الأمريكية أن هذا التعديل هو “المرحلة النهائية لتنظيف الهيكل المؤسسي” لشركة “أوبن إيه آي” تمهيداً لطرح عام أولي قد يصل بتقييم الشركة إلى قرابة 850 مليار دولار. كما وصفت تقارير أخرى الخطوة بأنها “بروتوكول تنافسي” ذكي للهروب من ملاحقات هيئات المنافسة، مثل “سي إم إيه” (CMA) البريطانية و”إف تي سي” (FTC) الأمريكية.
على جبهة المنافسين، تسود حالة من الترقب في مكاتب “إيه دبليو إس” (AWS) و”غوغل كلاود”. تشير التسريبات إلى أن المنافسين يرون في هذا الخبر فرصة ذهبية لجذب “أوبن إيه آي” كعميل ضخم، مما قد يؤدي إلى صفقات بمليارات الدولارات كانت في السابق محرمة عليهم بسبب جدار الحصرية، مما يعيد تشكيل خارطة المنافسة في مجال الخدمات السحابية للذكاء الاصطناعي.
مستقبل الذكاء الاصطناعي “المفتوح”
بحسب المراقبين، يبدو أن الطرفين خرجا بمكاسب استراتيجية. “أوبن إيه آي” فكّت قيودها لتصبح عملاقًا مستقلاً يستعد للهيمنة كمنصة عالمية. أما مايكروسوفت، فقد أمّنت عوائدها الاستثمارية وتخلصت من الأعباء القانونية، مع الاحتفاظ بمكانة استراتيجية ضمن منظومة “أوبن إيه آي”.
لخّص تحليل لمنصة “إي ويك” (eWeek) الأمريكية الحدث بأنه “نهاية لشهر العسل الاحتكاري، وبداية عصر الشراكة العملية”. تريد “أوبن إيه آي” أن تصبح “أوكسجين الذكاء الاصطناعي” الذي يتنفسه الجميع، بينما تكتفي مايكروسوفت بدور الشريك الأكبر والمستفيد المالي الأبرز. الاتفاقية الجديدة ستبقي مايكروسوفت الشريك الأقوى والمستثمر الأكبر، لكنها لم تعد تمتلك المفتاح الوحيد لتقنيات “أوبن إيه آي”، مما يجعل سوق الذكاء الاصطناعي أكثر انفتاحاً وتنافساً.
الأمر التالي الذي سيتم مراقبته هو كيفية استجابة مشغلي السحابات الآخرين والشركات التكنولوجية لهذه المعادلة الجديدة. كما أن مدى سرعة “أوبن إيه آي” في إقامة شراكات جديدة، والصفقات المحتملة التي قد تعلن عنها، وكذلك أي ردود فعل تنظيمية من الهيئات الحكومية، ستكون عوامل حاسمة في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القادمة.


