اضطراب مائي في تركيا: أدنى معدل أمطار منذ 52 عاماً يهدد السدود والموارد
سجلت تركيا العام الماضي أدنى معدل لهطول الأمطار منذ أكثر من خمسة عقود، حيث بلغ الكمية المسجلة نحو 422.5 ملم، بانخفاض بلغ 26.3% عن المتوسط السنوي للفترة بين 1991 و2020. وتفاقمت الأزمة مع تراجع ملحوظ شمل مختلف مناطق البلاد، وخاصة الجنوب الشرقي الذي تأثر بانخفاض تجاوز 53% عن معدلاته الطبيعية، مسجلاً بذلك أحد أخطر مواسم الجفاف في تاريخ البلاد الحديث.
وفقاً لبيانات هيئة الأرصاد الجوية التركية، شهد عام 2025 تراجعاً حاداً في الهطول المطري، وهو ما انعكس مباشرة على مستويات المياه في السدود. وقد هبط متوسط نسبة امتلاء السدود على المستوى الوطني إلى أقل من 35% بنهاية العام، مسجلاً مستويات غير مسبوقة في العديد من المناطق، مما يثير مخاوف جدية بشأن الأمن المائي.
أزمة السدود: خطر العطش يهدد المدن الكبرى
يشكل انخفاض مستويات مياه السدود في تركيا تحدياً مباشراً للمدن الكبرى والمناطق الزراعية. ففي العاصمة إسطنبول، تراجع متوسط امتلاء سدود المياه إلى 18.5% بنهاية العام، وهي نسبة تقترب من عتبة الإنذار المائي. أما في أنقرة، فقد انخفض مخزون السدود إلى حوالي 15%، مع تحذيرات من احتمالات تقنين إمدادات المياه.
على الصعيد الوطني، أفادت المديرية العامة للأشغال المائية بأن متوسط نسبة امتلاء السدود انخفض إلى أقل من 35%، حيث سجلت نسب تعبئة أقل من 20% في مناطق مرمرة وإيجة، فيما هبطت غالبية سدود وسط الأناضول إلى ما دون 15% من طاقتها التخزينية. بلغت بعض الخزانات مستويات حرجة، كسد طهطالي في ولاية إزمير الذي انخفض منسوب المياه فيه إلى 4.8% فقط، مما دفع بلديات مثل بورصة إلى البدء في تطبيق جداول تقنين دورية للمياه.
جفاف ممتد: مؤشرات مناخية تدعو للقلق
حسب بيانات مؤشر الهطول القياسي الصادرة عن هيئة الأرصاد الجوية التركية، اتسعت رقعة الجفاف في البلاد على مدى عامين متتاليين. وتشير خرائط المؤشر لفترات 12 و24 شهراً إلى أن نحو 70% من مساحة تركيا تقع حالياً ضمن نطاق “الجفاف الشديد” أو “الاستثنائي”.
تعكس هذه النتائج مؤشرات مناخية متراكمة تؤكد أن نقص الأمطار في تركيا خلال العامين الماضيين تجاوز حدود الظاهرة المؤقتة، مسجلاً حالة جفاف ممتد وغير مسبوق في بعض المناطق، وهو ما ينعكس سلباً على رطوبة التربة والمياه الجوفية.
استجابة حكومية: خطط ومشروعات لمواجهة الزمة
كثفت الحكومة التركية جهودها لمواجهة تداعيات الجفاف، حيث خصصت وزارة الزراعة والغابات ميزانية ضخمة لتنفيذ مشاريع مائية وبنى تحتية، تشمل إنشاء سدود جديدة، وبحيرات تجميع، ومنشآت ري لتعزيز كفاءة توزيع المياه. كما جرى تشغيل محطات مياه الشرب ومعالجة الصرف الصحي، وتنفيذ مرافق لمكافحة الفيضانات.
بالتوازي مع ذلك، أطلقت الحكومة “الخطة الوطنية للمياه 2023–2033″، التي تهدف إلى حماية البحيرات والموارد المائية، ووقف تدهور المياه الجوفية. وفي سبيل تلبية الطلب المتزايد، بدأت السلطات في إنشاء محطات لتحلية مياه البحر وتوسيع استخدام مياه الصرف المعالجة في الري والصناعة.
إدارة مناخية: بنية مؤسسية وتحديات قائمة
قال مصطفى شاشماز، أستاذ المناخ بجامعة البحر الأسود، إن تركيا تمتلك بنية مؤسسية متعددة المستويات للتعامل مع تغير المناخ وأزمة المياه، تتصدرها وزارة البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي. وأشار إلى أن إقرار قانون المناخ عام 2025 شكل نقلة قانونية مهمة، إذ ألزم المؤسسات بإعداد خطط للتكيف وخفض الانبعاثات.
وأضاف شاشماز أن إطلاق حملة وطنية لكفاءة المياه تستهدف خفض فاقد الشبكات وتوسيع أنظمة الري الحديثة، إضافة إلى مشاريع لتحديث شبكات الري وتطوير أنظمة الإنذار المبكر. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تتمثل في ضعف التنسيق بين الجهات المعنية، وتأخر إقرار قانون شامل للمياه، ومحدودية التمويل، والحاجة إلى تعزيز مشاركة المزارعين والسكان المحليين في صنع القرار.
ماذا بعد؟
يظل تقييم مدى فعالية خطط الإدارة المائية الجديدة، وقدرة الحكومة على مواجهة التحديات المتزايدة المتعلقة بندرة المياه، ومراقبة تطورات الظروف المناخية، أموراً محورية في تحديد مستقبل الموارد المائية في تركيا.

