في عالم يعج بالتحديات البيئية، تبرز ظاهرة “أنواع لازاروس” كشاهد على مرونة الطبيعة وقدرتها على المفاجأة. هذه الأنواع، التي يُعتقد أنها انقرضت لا محالة، تعود للظهور بعد اختفاء طويل، لتذكرنا بأن فهمنا للعالم الطبيعي لا يزال قاصراً. تُطلق هذه التسمية على الكائنات التي تغيب عن الرصد لفترات طويلة، قبل أن يعاد اكتشافها، مؤكدةً أنها لم تختفِ، بل كانت متوارية عن الأنظار.
وفي سياق متصل، تشهد الأرض حالياً ما يصفه العلماء بـ”الانقراض السادس”، وهو موجة انقراض جماعي تتسارع وتيرتها بشكل غير مسبوق، وترتبط بشكل كبير بالأنشطة البشرية. وتُعد هذه الظاهرة تأكيداً على الحاجة الملحة لفهم أعمق للتنوع البيولوجي وجهود الحفاظ عليه.
موجة انقراض أكثر تسارعا
يُعرّف النوع المنقرض بأنه ذلك الذي لا يبقى أي شك في وفاة آخر أفراده، وذلك بعد إجراء مسوحات ميدانية واسعة النطاق في جميع مواطنه المعروفة أو المحتملة على مدى فترات زمنية كافية. وقد شهد تاريخ الأرض خمس موجات انقراض جماعي سابقة، أشهرها تلك التي قضت على الديناصورات.
وتشير التقديرات إلى أن موجة الانقراض الحالية تحدث بوتيرة أسرع بمئات أو آلاف المرات مقارنة بما كانت عليه قبل التأثير البشري الواسع. وتُعزى هذه الزيادة في وتيرة الانقراض إلى عوامل متعددة، منها الاحترار العالمي، والتلوث، وتدمير الموائل، وإدخال الأنواع الغريبة، مما يجعل العديد من الكائنات غير قادرة على التكيف بالسرعة الكافية.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بانقراض أي كائن بسهولة، إذ يكفي العثور على فرد واحد لإثبات بقائه. ويعتمد الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة في تقييمه على “القائمة الحمراء”، التي تصنف الأنواع بناءً على حجم جماعاتها، وانتشارها، واتجاهات أعدادها.
شواهد على “العودة من الموت”
على مدار العقود الماضية، تمكن العلماء من إعادة اكتشاف أكثر من مائة نوع من الكائنات التي كان يُعتقد أنها اختفت تماماً. وتشترك هذه الكائنات غالباً في سمات أساسية، أهمها الندرة الشديدة، والعيش في نطاقات جغرافية محدودة وموائل نائية، مما يجعل رصدها أمراً بالغ الصعوبة.
تُعد سمكة السيلاكانث، التي تعيش في كهوف المياه العميقة، من أشهر الأمثلة التاريخية على “أنواع لازاروس”. كان يُعتقد أنها انقرضت منذ 66 مليون سنة، قبل أن تُصاد عينة حية منها عام 1938 قبالة سواحل جنوب أفريقيا، وهو أحد أهم الاكتشافات الحيوانية في القرن العشرين.
وفي حالات أخرى، لعبت المعرفة المحلية دوراً حاسماً، كما هو الحال مع حيوان البيكاري التشاكواني. هذا الحيوان الشبيه بالخنزير، الذي كان معروفاً من الأحافير فقط، عُثر عليه حياً في عام 1971 بمنطقة تشاكو القاحلة في الأرجنتين، حيث يعيش في بيئات حارة وجافة يصعب على البشر اختراقها.
أما نحلة والاس العملاقة (أكبر نحلة في العالم)، فقد أعيد اكتشافها في عام 2019 بعد غياب دام 38 عاماً. كما عادت إلى الظهور أنواع شديدة الندرة مثل السولنودون الكوبي السام، وخفاش غينيا الجديدة كبير الأذنين، وسحلية الرعب، التي لم تكن معروفة إلا من عينة واحدة محفوظة في المتحف، حتى أعيد اكتشافها في عام 2000.
وشهد عام 2023 اكتشافين بارزين: إعادة اكتشاف سحلية تنين المراعي عديم الأذنين بعد غياب تجاوز نصف قرن، والعثور مجدداً على النضناض طويل المنقار لأتينبارا في إندونيسيا بعد أكثر من ستة عقود من اختفائه.
في مواجهة خطر الانقراض مجدداً
على الرغم من هذه القصص الملهمة، يحذر العلماء من الإفراط في التفاؤل، فإعادة الاكتشاف لا تعني انتهاء الخطر، إذ تبقى معظم هذه الأنواع في حالة ضعف وتهديد بالانقراض. فعلى سبيل المثال، يبلغ تعداد طائر التاكاهي حوالي 225 طائراً، ويُقدر عدد أفراد سمكة السيلاكانث المتبقي بنحو 500 سمكة.
كما أن بعض الأنواع، مثل النمر التسماني الذي يُعتقد أنه اختفى نهائياً في ستينيات القرن العشرين، لا تزال فرص العثور عليها ضئيلة للغاية، مع نسبة احتمال بقاء أقل من 1%، مما يجعله رمزاً في مجتمع “علم الحيوانات الخفية”.
وتؤكد هذه الاكتشافات مجدداً أن غياب الأنواع عن السجلات العلمية لا يعني بالضرورة انقراضها، بل قد يعود إلى محدودية معرفتنا بها أو صعوبة الوصول إلى مواطنها. إلا أن هذه الأنواع تظل نادرة وهشة، وبقاؤها على المدى الطويل يعتمد بشكل كبير على تكثيف جهود المراقبة والرصد وحماية بيئاتها الطبيعية قبل أن تختفي فعلياً هذه المرة.
تظل التحديات كبيرة، حيث يتطلب الحفاظ على هذه الأنواع جهوداً دولية متضافرة، مع التركيز على استراتيجيات حماية فعالة ومستدامة. يبقى السؤال المطروح: هل يمكننا عكس اتجاه هذا الانقراض المتسارع، أم أننا سنشهد المزيد من “أنواع لازاروس” تعود لتذكرنا بما فقدناه؟

