يشهد سوق النفط العالمي تحديات مستمرة، حيث تتأثر آبار النفط بفترات الإغلاق الطويل بشكل مباشر، مما ينعكس على قدرتها الإنتاجية عند إعادة التشغيل. ويحدث هذا الأمر مشابهًا لما قد يتعرض له محرك السيارة عند تركه دون تشغيل لفترات طويلة، حيث تتراكم الرواسب وتتآكل الأجزاء، مما يؤدي إلى صعوبة في إعادة تشغيله وفقدان جزء من كفاءته. هذا التأثير يلقي بظلاله على تعافي سوق النفط العالمي، خاصة بعد فترات التوقف التي فرضتها ظروف جيوسياسية واقتصادية.
وفقًا للدكتور عبد العزيز محمد عبد العزيز، أستاذ هندسة الاستكشاف وتقييم الطبقات بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، فإن توقف تدفق النفط من المكمن إلى البئر لفترات طويلة يؤدي إلى تغيرات ديناميكية في خواص المكمن. عند إعادة التشغيل، قد تحدث فورة إنتاجية قصيرة، لكن سرعان ما تبدأ في الانخفاض بشكل ملحوظ، مما يشير إلى معاناة البئر من تداعيات الإغلاق.
يتمثل السبب الرئيسي وراء تدهور إنتاجية الآبار بعد الإغلاق الطويل في التغيرات التي تطرأ على ضغط المكمن نفسه. فعندما يكون البئر في حالة إنتاج مستمر، ينخفض الضغط تدريجيًا في المنطقة المحيطة به، مما يخلق قنوات تدفق مستقرة. ومع توقف الإنتاج، يعود الضغط للارتفاع، وتتوزع السوائل داخل الصخور بشكل مختلف.
هذه التغيرات في الضغط والتدفق تؤدي إلى ترسب مواد مثل الأسفلتين والبارافين (الشمع) داخل قنوات التدفق، وهو ما يعيق حركة النفط ويقلل من استقرار النظام الإنتاجي. تصبح خصائص التدفق مختلفة عما كانت عليه قبل الإغلاق، مما يتطلب جهودًا كبيرة لاستعادة كفاءة البئر.
الأسفلتين.. كوليسترول النفط
يعتبر الأسفلتين أحد أبرز المشكلات التي تواجه آبار النفط عند إغلاقها لفترات طويلة. يوصف الأسفلتين بأنه المكون الأثقل والأكثر تعقيدًا في النفط الخام، ويُطلق عليه أحيانًا “كوليسترول الشرايين” في صناعة البترول نظرًا لقدرته على سد الآبار وتعطيل المنشآت.
ويعzo الدكتور عبد العزيز ثبات الأسفلتين في حالة الذوبان إلى ثلاثة عوامل رئيسية، والتي تغيب تمامًا خلال فترات الإغلاق الطويلة. العامل الأول هو التوازن الدقيق بين الضغط ودرجة الحرارة. عند توقف الإنتاج، يتغير الضغط في عمود البئر والمكمن، وإذا وصل إلى “ضغط بداية ترسيب الأسفلتين”، تبدأ جزيئاته في الانفصال عن الطور السائل. كما أن توقف التدفق يؤدي إلى فقدان الحرارة الطبيعية، مما يبرد النفط ويقلل من قدرة المذيبات الطبيعية على إبقاء الأسفلتين ذائبًا.
العامل الثاني هو “حركية التجمع والوقت”. عملية ترسيب الأسفلتين ليست لحظية، بل تمر بمراحل متعددة. في حالات التدفق المستمر، قد لا تجد التكتلات وقتًا كافيًا للالتصاق بالجدران بسبب سرعة الجريان. لكن خلال فترة السكون الناتجة عن الإغلاق، تكتسب جزيئات الأسفلتين الوقت الكافي للتجمع والترسب بفعل الجاذبية، مما يجعل إزالتها صعبة.
يقصد بالعامل الثالث “التغيرات التركيبية”. يكون النفط في أعماق الأرض مخلوطًا بالغازات تحت ضغط هائل. عند انخفاض الضغط دون “نقطة الفقاعة” خلال فترات الإغلاق، ينفصل الغاز عن النفط. يؤدي بقاء هذه الغازات الحرة على تماس مباشر مع النفط لفترة طويلة إلى تغيير كيمياء السائل، مما يقلل من قدرته على إبقاء الأسفلتين ذائبًا.
وقد رصدت مراجعات علمية متخصصة، مثل تلك المنشورة في دورية “فيول” (Fuel)، التفاصيل الفيزيائية والكيميائية لهذه العمليات. وأكدت الأبحاث أن فهم ديناميكيات ترسيب الأسفلتين أمر حيوي لتشخيص الانسدادات وتطوير تقنيات لمعالجتها، كما تضمنت دراسات حالة لآبار متضررة، مثل تلك التي نشرت في دورية “جورنال أوف موليكيولار ليكودز” (Journal of Molecular Liquids).
الشمع الذي يخنق تدفق النفط
بجانب مشكلة الأسفلتين، تتسبب فترات الإغلاق في ترسبات لمادة البارافين، أو ما يعرف بـ “الشمع”. وتعتمد عوامل حدوث ترسب الشمع بشكل كبير على درجة الحرارة والضغط.
يشير الدكتور عبد العزيز إلى أنه أثناء التشغيل، يكون النفط دافئًا بفعل الاحتكاك والجريان، بينما يبرد تدريجيًا أثناء الإغلاق، خاصة بالقرب من جدران الأنابيب. هذا التبريد يؤدي إلى تبلور جزيئات البارافين. كما أن الضغط العالي أثناء التشغيل يساعد على بقاء الشمع مذابًا، بينما يؤدي انخفاض الضغط خلال الإغلاق الطويل إلى تقليل قدرة النفط على إذابة الشمع، مما يؤدي إلى تبلوره وانفصاله.
يزيد “غياب الحركة” من تفاقم هذه المشكلة. فالجريان المستمر أثناء التشغيل يحمل البلورات الدقيقة ويمنعها من الالتصاق بالجدران. وفي حالة السكون المرتبطة بالإغلاق الطويل، تتجمع هذه البلورات وتلتصق بالجدران.
وتشبه دراسات، مثل تلك المنشورة في “جورنال أوف بتروليوم تكنولوجي” (Journal of Petroleum Technology)، هذه العملية باستخلاص مركبات معينة من محاليلها عند تغير الظروف. توضح الدراسات أن الغازات الخفيفة الموجودة في المكامن العميقة تعمل كمذيبات قوية تبقي المكونات الثقيلة مثل الشمع مذابة. وعند توقف الإنتاج وتغير الظروف، تفقد هذه المذيبات قدرتها، مما يؤدي إلى ترسيب المواد الثقيلة.
إعادة توزيع الضغط داخل الصخور
إلى جانب مشكلات الترسبات، يؤثر الإغلاق الطويل سلبًا على آبار النفط من خلال “إعادة توزيع الضغط داخل الصخور”.
خلال عملية الإنتاج، يسحب البئر النفط باستمرار، مما يخلق منطقة ضغط منخفض بالقرب منه. هذا الفارق في الضغط يدفع النفط نحو البئر. عند التوقف الطويل، يتوقف هذا السحب، وتتوقف حركة السوائل المنتظمة. يبدأ الضغط في إعادة التوزيع داخل الصخور، مما يزيل الفروق بين مناطق الضغط المختلفة ويجعلها أكثر تجانسًا.
يشبه هذا الوضع اسفنجة مبللة، فعند الضغط عليها من جهة، يندفع الماء في اتجاه معين، وعند تركها، يعيد الماء الانتشار بداخلها بالتساوي. ووثقت دراسة نشرت في “جورنال أوف بتروليوم إكسبلوريشن آند برودكشن تكنولوجي” (Journal of Petroleum Exploration and Production Technology) الأضرار التقنية التي لحقت بالمكامن نتيجة لإغلاقات قسرية، بما في ذلك خسائر كبيرة في الإنتاج خلال جائحة كوفيد-19.
حياة جديدة أو مرض صعب
يمكن وصف حالة آبار النفط بعد الإغلاق الطويل بأنها “مرض صعب”، تختلف فرص الشفاء التام منه من بئر لآخر. وقبل ظهور أعراض هذا المرض، قد تشهد الآبار “صحوة خادعة” تتمثل في فورة إنتاجية مؤقتة.
وتفسر دراسة في “جورنال أوف بتروليوم ساينس آند إنجنيرينغ” (Journal of Petroleum Science and Engineering) هذه الطفرة الإنتاجية بأنها ناتجة عن ارتفاع الضغط داخل الصخور خلال فترة الإغلاق، مما يؤدي إلى ذوبان جزء من الغاز في النفط. عند إعادة التشغيل، ينخفض الضغط، فيتمدد الغاز المذاب ويدفع النفط بقوة نحو السطح، مما يزيد تدفقه مؤقتًا.
يؤكد الدكتور عبد العزيز أن هذه الفورة الإنتاجية ليست دليلاً على الصحة، بل هي قناع مؤقت يخفي خلفه أعراضًا جسيمة تتمثل في انهيار متسارع في الإنتاج. فبعد استنزاف طاقة الضغط المخزونة، يصطدم البئر بعوائق الأسفلتين والشمع المترسب، لتبدأ مرحلة المعاناة التقنية، حيث يكتشف المهندسون أن الانهيار الإنتاجي ناتج عن انسداد مزمن في شرايين المكمن.
هل يمكن استعادة البئر؟
تختلف الفترة المثالية للإغلاق القصير بين الآبار نظرًا للتباين الهائل في مسامية الصخور ولزوجة الخام. ما يكون مثاليًا لبئر في منطقة ما، قد يكون ضارًا لبئر في منطقة أخرى. كما أن نوع البئر يحدد قدرته على استعادة الإنتاج بكفاءة بعد التدخلات اللازمة لمعالجة آثار الإغلاق الطويل.
تتضمن عملية استعادة كفاءة البئر، التي يشبهها الدكتور عبد العزيز بإعادة تأهيل الشرايين، العلاج بعدة طرق. قد يتم حقن مذيبات عطرية قوية مثل التولوين والزيلين لتفتيت الانسدادات الصلبة، أو اللجوء إلى “التحميض” لإذابة القشور المعدنية وفتح القنوات المجهرية. في الحالات المستعصية، يتم اللجوء إلى التدخلات الميكانيكية والحرارية، مثل تقنيات “الأنابيب الملتوية” لضخ سوائل التنظيف بضغط عالٍ، وعمليات “الزيت الساخن” لإذابة الشموع. في الحالات القصوى، قد يتم اللجوء إلى “إعادة التكسير الهيدروليكي” لخلق مسارات تدفق بديلة، وهي عملية مكلفة لكنها غالبًا ما تمنح البئر عمرًا إنتاجيًا جديدًا.
فيما يتعلق بإمكانية استعادة البئر لكفاءته السابقة، يشير الدكتور عبد العزيز إلى ثلاثة سيناريوهات. الأول هو “التحفيز الناجح”، حيث قد يتفوق أداء البئر على أدائه الأصلي بفضل توسيع المسارات الصخرية. السيناريو الأكثر شيوعًا هو استعادة جزئية تتراوح بين 80% إلى 90%، مع بقاء بعض “الندوب” الناتجة عن تغيرات في خصائص سطح الصخور أو احتباس دائم لفقاعات الغاز. السيناريو الثالث، والأقل احتمالًا، هو مواجهة البئر “عجزًا مستديمًا” إذا تعرضت الشقوق لغزو مائي عميق أو تحطمت الدعامات المسامية تحت ضغط الأرض.
ما ينبغي مراقبته هو فعالية التقنيات الجديدة لمعالجة آثار إغلاق الآبار، ومدى قدرة هذه التقنيات على استعادة الإنتاجية بشكل اقتصادي، مع الأخذ في الاعتبار التباين الكبير بين خصائص المكامن النفطية حول العالم.


