كشف باحثون من معهد “ماكس بلانك” لأبحاث النظام الشمسي عن الآلية الدقيقة التي تسمح لظواهر شمسية عملاقة تُعرف باسم “ألسنة اللهب الشمسية” بالبقاء معلقة في الفضاء لأسابيع أو أشهر، متحدية بذلك قوانين الفيزياء المعروفة.
هذه الأقواس الضخمة من البلازما، التي تبرز من سطح الشمس، تعد من أكثر الظواهر الشمسية غموضاً نظراً لكثافتها العالية وبرودتها النسبية مقارنة بما يحيط بها في إكليل الشمس الحار.
سحب تسبح عكس قوانين الطبيعة
تُشكل ألسنة اللهب الشمسية تحدياً للعلماء بسبب خصائصها المتناقضة. فهي أبرد بكثير من الإكليل المحيط بها، حيث تبلغ حرارتها حوالي 10 آلاف درجة مئوية فقط، في حين تصل حرارة الإكليل إلى ملايين الدرجات. والأكثر إثارة للدهشة هو كثافتها التي تفوق كثافة الإكليل بمئة مرة، مما يجعل بقاءها طافية في الفضاء أمراً يبدو مستحيلاً وفقاً للفهم التقليدي للفيزياء.
تشير الدكتورة “ليزا ماري زيسنر” إلى أن كثافة مادة هذه الألسنة أعلى بمئة مرة من الإكليل المحيط بها، وهو ما يشبه بقاء قطعة خشب طافية في الهواء. ومع ذلك، تلعب المجالات المغناطيسية للشمس دوراً حاسماً في تثبيت هذه الكتل الضخمة، حيث تعمل كـ “خيوط” غير مرئية تمسك بها ضد قوة الجاذبية.
كيف تنمو هذه الأقواس العملاقة وتستمر؟
أظهرت دراسة حديثة نُشرت في دورية “نيتشر أسترونومي” أن ألسنة اللهب الشمسية تتشكل في مناطق معينة على سطح الشمس تُعرف بـ “الانخفاضات”. تتكون هذه الانخفاضات حيث تنحني خطوط المجال المغناطيسي للشمس باتجاه السطح. ومن خلال عمليات محاكاة دقيقة، اكتشف الباحثون أن اضطرابات مغناطيسية صغيرة تلعب دوراً في دفع البلازما إلى الأعلى، حيث تُحتجز وتتراكم.
توضح الدكتورة زيسنر أن هذه العمليات تتفاعل معاً لتزويد ألسنة اللهب بالمادة اللازمة لاستمرارها، مما يبقيها نشطة لفترات طويلة. في الوقت نفسه، تتساقط جزء من هذه المادة عائداً إلى الشمس فيما يُطلق عليه “مطر البلازما”. هذا التوازن الدقيق بين المادة المتصاعدة والجاذبية هو ما يحدد ما إذا كان البروز سيبقى مستقراً، أو سيتلاشى، أو سينفجر.
خطر الانفجارات.. لماذا نهتم بما يحدث هناك؟
عندما يختل هذا التوازن الدقيق، يمكن أن تنفجر ألسنة اللهب الشمسية، مرسلةً كميات هائلة من الجسيمات المشحونة بسرعة عالية نحو الفضاء. هذه الانفجارات، المعروفة باسم الانبعاثات الكتلية الإكليلية (CMEs)، يمكن أن تتسبب في “طقس فضائي” شديد يؤثر بشكل مباشر على الأرض. وعلى الرغم من أن الغلاف الجوي للأرض يوفر حماية طبيعية، إلا أن الأحداث الشمسية القوية يمكن أن تعطل شبكات الطاقة الكهربائية وأنظمة الاتصالات.
تُعد الأقمار الصناعية، وخاصة تلك التي تدعم أنظمة الملاحة العالمية مثل جي بي إس، عرضة بشكل خاص لهذه التأثيرات. يؤكد مدير قسم الشمس والغلاف الجوي في معهد ماكس بلانك، سامي سولانكي، أن فهم هذه الظواهر الشمسية أمر بالغ الأهمية. فالحصول على توقعات دقيقة للطقس الفضائي الخطير يعتبر ضرورة لحماية البنية التحتية للأرض، ويُعد اكتشاف آلية بقاء ألسنة اللهب الشمسية خطوة مهمة في هذا الاتجاه.
ما الخطوة التالية؟ يسعى الباحثون الآن إلى تحسين نماذجهم لمحاكاة هذه الظواهر بشكل أدق، مع التركيز على العوامل التي تؤدي إلى عدم استقرار هذه الأقواس ومن ثم انفجارها، بهدف تطوير أنظمة إنذار مبكر أكثر موثوقية للحماية من تأثيرات الطقس الفضائي.


