تُشير الدراسات العلمية إلى ضرورة الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية لتجنب الآثار الكارثية لتغير المناخ. يتطلب هذا الأمر خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 45% بحلول عام 2030 والوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050. ومع ذلك، تكشف دراسة حديثة أن الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية وحده لن يكفي لمعالجة الأضرار طويلة الأمد الناتجة عن تغير المناخ.
وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة “Environmental Research Letters”، فإن وقف ارتفاع مستوى سطح البحر وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتراكمة يستلزم أن تصبح الانبعاثات العالمية سالبة، وأن تظل كذلك لقرون. يوضح الدكتور بيب كاناديل، المدير التنفيذي لمشروع الكربون العالمي، أن ارتفاع مستوى سطح البحر هو أحد التأثيرات التي ستستمر حتى بعد وقف انبعاثات الغازات الدفيئة.
الحاجة إلى انبعاثات سالبة ومواجهة التحديات المستقبلية
حتى مع الالتزام بأهداف اتفاقية باريس وتثبيت المناخ دون درجتين مئويتين بحلول نهاية القرن، ستستمر مستويات سطح البحر في الارتفاع لعدة قرون، وفقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. ويتوقع بيب كاناديل أن يصل متوسط ارتفاع مستوى سطح البحر إلى 1.5 متر فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بحلول عام 2300.
بالإضافة إلى وقف الانبعاثات، تؤكد الدراسة على الحاجة إلى خفض تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ويتطلب ذلك إزالة كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، وستحتاج المحيطات إلى قرون لتتعافى. المشكلة تكمن في أن 90% من الاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية يتسرب إلى المحيط، وتستغرق الحرارة مئات السنين للوصول إلى أعماقه، مما يؤدي إلى التوسع الحراري للمياه وارتفاع سطح البحر.
يعتبر ذوبان الأنهار الجليدية عاملاً مهماً في ارتفاع مستوى سطح البحر، لكن تأثيره على المدى البعيد يتضاءل مقارنة بالتمدد الحراري للمحيطات.
التشريعات القانونية العالمية ومسؤولية خفض الانبعاثات
تنص اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ على مبدأ المسؤوليات المشتركة والمتباينة والقدرات النسبية. ينبغي على الدول الغنية تحمل مسؤولية أكبر في التخفيف من آثار تغير المناخ والاستثمار فيه مقارنة بالدول الأقل نموًا، مع ضرورة تحرك الجميع بشكل منسق.
يشير الدكتور كيفن ترينبيرث، الباحث في المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي بالولايات المتحدة، إلى أن تحقيق “صافي الصفر” يعني عدم حدوث أي زيادات إضافية في ثاني أكسيد الكربون. حتى مع تحقيق ذلك بحلول عام 2050، ستستمر مستويات سطح البحر في الارتفاع لقرون. ويرى ترينبيرث أن الحياد الكربوني الكامل أمر صعب المنال، ويتطلب إزالة ثاني أكسيد الكربون لتعويض الانبعاثات التي لا يمكن وقفها، مما يثير تساؤلات حول تكلفة ذلك.
فشل عالمي في خفض الانبعاثات الكربونية
يُعزى الارتفاع في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل أساسي إلى عدد قليل من الدول، تتصدرها الصين، بينما تحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الأولى من حيث الحصة الإجمالية. وقد شهدت الولايات المتحدة انخفاضًا طفيفًا في انبعاثاتها.
في المقابل، تتزايد انبعاثات الهند بوتيرة متسارعة. تتحمل أوروبا جزءًا كبيرًا من المسؤولية، لكنها حققت تقدمًا ملحوظًا في خفض انبعاثاتها. ومع ذلك، يرى ترينبيرث أن الأمم المتحدة فشلت في تلبية الحاجة الملحة لخفض الانبعاثات الكربونية بالكامل.
على الرغم من التقدم في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، لا يزال التقدم العام محدودًا، وتشهد مستويات ثاني أكسيد الكربون ارتفاعًا غير مسبوق في السنوات الخمس الماضية.
نقاش نقدي حول مستقبل المناخ
تُقدم هذه الدراسة تحليلاً مفاهيميًا ونمذجيًا يعتمد على سيناريوهات، ولا يمكن التحقق منها كقياسات مستقبلية دقيقة في الوقت الحالي. يستخدم الباحثون مجموعات من سيناريوهات التخفيف ونماذج نظام الأرض، مع الإقرار بأن التفاصيل التقنية ومعالجة عدم اليقين تمثل روايات استكشافية وليست تنبؤات دقيقة.
تشكل الدراسة تحذيرًا استراتيجيًا بأن الوصول إلى صافي الصفر ليس نهاية المطاف، خاصة عند أخذ الآثار المناخية البطيئة في الاعتبار. ولكن، تكمن حدودها في الاعتماد على سيناريوهات طموحة، وآفاق زمنية طويلة، وافتراضات كبيرة حول إزالة الكربون، بالإضافة إلى الحاجة لتطوير آليات قانونية ومؤسسية واضحة.


