في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه جهود مكافحة الألغام، بما في ذلك التكلفة المرتفعة والمخاطر البشرية، يبرز نظام “ماجيكس” (MAGIX) كحل مبتكر يعتمد على كشف الألغام من السماء باستخدام المغناطيس. وقد طوّر هذا النظام فريق بحثي سعودي، وأثبت نجاحًا معمليًا، مما يفتح آفاقًا جديدة لإزالة مخلفات الحروب والمتفجرات في المناطق المتأثرة بالصراعات، لا سيما في سوريا.
تشكل الألغام خطرًا دائمًا على المدنيين في سوريا، حيث تتكرر الحوادث المأسوية نتيجة انفجار مخلفات الحرب. ففي بلدة أم ولد بريف درعا الشرقي، أصيب طفلان مؤخرًا بانفجار ألغام. وبحسب تقارير، فقد تسبب انتشار الألغام في مقتل نحو 249 شخصًا، بينهم 60 طفلًا، وإصابة 379 آخرين منذ ديسمبر 2024، مما يؤكد الحاجة الملحة لحلول فعالة وآمنة.
كيف يعمل نظام “ماجيكس” لكشف الألغام؟
يعتمد نظام “ماجيكس” على آلية التصوير المغناطيسي المتقدمة. يقوم الفريق بنشر طائرات مسيرة مزودة بمجسات مغناطيسية لرصد “البصمات المغناطيسية” الفريدة للذخائر غير المنفجرة، سواء كانت مدفونة تحت الأرض أو على السطح. وتنتج هذه البصمات عن التشوهات في المجال المغناطيسي للأرض التي تحدثها المواد المعدنية الموجودة داخل اللغم.
يسبق عمليات المسح الجوي تخطيط دقيق يعتمد على الذكاء الاصطناعي. يتم إدخال صور الأقمار الصناعية إلى نماذج تعلم الآلي لتحديد المناطق الأكثر احتمالاً لتلوثها بمخلفات الحرب، مثل الطرق العسكرية القديمة ومواقع النزاعات السابقة. ومن ثم، يتم تخطيط مسار أمثل للطائرات المسيرة لزيادة الكفاءة وتقليل وقت الطيران واستهلاك الطاقة.
التغلب على التحديات: التمييز بين الألغام والقطع المعدنية
يواجه كشف الألغام تحديًا كبيرًا في التمييز بين الألغام الحقيقية والقطع المعدنية العادية مثل الخردة أو المسامير. يتغلب نظام “ماجيكس” على ذلك من خلال حلين متكاملين: تحسين دقة التعرف على الألغام وفهم طريقة زراعتها.
يعتمد الحل الأول على جمع بيانات مغناطيسية عالية الدقة، من خلال تحليق الطائرات المسيرة ببطء وعلى ارتفاعات منخفضة. كما يتم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من البيانات، بما في ذلك بيانات اصطناعية ومحسنة، لتعليم النظام الشكل المغناطيسي المميز لكل نوع من الألغام.
أما الحل الثاني، فيتعلق بتدريب النظام على تحليل أنماط زراعة الألغام. فالألغام لا تزرع بشكل عشوائي، بل غالبًا ما تكون في صفوف أو شبكات أو أنماط عسكرية معروفة. يقوم النظام بتحليل توزيع الأجسام المغناطيسية وعلاقتها ببعضها البعض، وإذا وجد نمطًا يطابق خرائط زراعة الألغام المعروفة، تزداد احتمالية كونها ألغامًا فعلية. يساهم هذا التكامل في تحقيق دقة تصل إلى 97.8%.
“ماجيكس” في سوريا: إمكانيات وتحديات
بفضل مزاياه، يمكن لنظام “ماجيكس” أن يشكل أداة فعالة في جهود مكافحة الألغام في سوريا، مقدماً حلولاً تقنية تقلل التكاليف التشغيلية والمخاطر البشرية مقارنة بالطرق التقليدية.
ومع ذلك، فإن الوضع في سوريا يفرض تحديات خاصة. تتطلب العمليات في المناطق المأهولة أو المتأثرة بالصراعات وجود أنظمة متقدمة لتجنب العوائق (مثل المباني المهدمة وأعمدة الكهرباء والأشجار) لمنع اصطدام الطائرات المسيرة، وهو شرط أساسي لضمان سلامة التطبيق الميداني. كما أن الدمار الواسع قد جعل خرائط الأقمار الصناعية القديمة غير كافية، مما يستدعي إنشاء خرائط محدثة ومفصلة لتحديد مناطق البحث وتصنيفها حسب درجة الخطورة.
بالإضافة إلى ذلك، يتطلب العمل في التربة السورية إعادة معايرة النماذج باستخدام عينات بيانات إضافية، نظرًا لخصائصها المغناطيسية الفريدة. ويعتقد الباحثون أن التغلب على هذه التحديات ليس صعبًا وهو شرط أساسي لنجاح النظام في السياق السوري.
اختبارات ميدانية قادمة
خلال العامين الماضيين، تم تطوير واختبار العديد من مكونات إطار النظام التقني بنجاح، بما في ذلك بناء الطائرات المسيرة المزودة بمستشعرات القياس المغناطيسي. وقد خضعت نماذج الذكاء الاصطناعي لاختبارات كفاءة في بيئات محاكاة باستخدام بيانات اصطناعية.
يعمل الفريق حاليًا على تطوير نموذج أولي متكامل لإجراء اختبارات شاملة في بيئات واقعية، تمهيدًا لاعتماد النظام ميدانياً. تظل التحديات المتعلقة بالتطبيق في بيئات معقدة وحساسة للصراعات المؤكدة، بالإضافة إلى الحاجة لجمع بيانات محلية دقيقة، عوامل رئيسية ستحدد مدى نجاح وتطبيق هذا النظام الواعد.


