كشفت دراسة علمية حديثة عن آلية مذهلة تتحكم في تكوين شبكية العين البشرية، موضحةً كيف تتجنب المنطقة المسؤولة عن حدة الرؤية، وهي “الفوفيولا”، وجود الخلايا المخروطية الزرقاء. يأتي هذا الاكتشاف، الذي تحقق عبر استخدام نماذج شبكية عين مُزروعة مخبريًا، ليُغير المفهوم السائد حول كيفية تطور الرؤية اللونية الدقيقة لدى الإنسان، ويعِد بآفاق جديدة لعلاج أمراض العيون.

وفي تطور علمي بارز نُشر بتاريخ 21 فبراير 2026، نجح باحثون من جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة في الكشف عن كيفية تشكل “الفوفيولا”، وهي منطقة مركزية بالشبكية تُعد حاسمة للرؤية الواضحة والتفاصيل الدقيقة، دون وجود الخلايا المخروطية الزرقاء. هذه الدراسة، المنشورة في مجلة “بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس”، استخدمت عضيات الشبكية لتتبع التطور الخلوي بدقة غير مسبوقة.

يحتوي الإنسان، على عكس معظم الحيوانات، على ثلاثة أنواع من الخلايا المخروطية الحساسة للضوء: الزرقاء والخضراء والحمراء. هذه الأنواع الثلاثة هي الأساس للرؤية اللونية الغنية التي يتمتع بها البشر. ومع ذلك، فإن “الفوفيولا”، وهي الجزء الأكثر أهمية في الشبكية للرؤية الواضحة، والتي تمثل حوالي 50% من قدرتنا على الإبصار، تفتقر لخلايا الاستقبال الزرقاء، وتعتمد فقط على الخلايا الحمراء والخضراء لضمان أقصى درجات الدقة البصرية. كان الاعتقاد السائد سابقًا أن الخلايا الزرقاء تتكون في “الفوفيولا” ثم تهاجر، لكن هذه النتائج الجديدة تُقدم تفسيرًا مختلفًا تمامًا.

آليات تطور “الفوفيولا” ودور فيتامين أ وهرمونات الغدة الدرقية

كشفت الدراسة عن أن الآليات الخلوية المسؤولة عن تكوين “الفوفيولا” تبدأ مبكرًا جدًا أثناء فترة تطور الجنين داخل الرحم. تعمل هذه الآليات بفضل تفاعل معقد وذكي بين فيتامين “أ” (Vitamin A)، وتحديدًا مشتقاته مثل “حمض الريتينويك”، وهرمونات الغدة الدرقية. يعمل فيتامين “أ” على تنظيم تكوين الخلايا، بينما تلعب هرمونات الغدة الدرقية دورًا حاسمًا في تحديد أنواع الخلايا المتخصصة، بما في ذلك الخلايا المسؤولة عن الرؤية الدقيقة.

وأظهرت التجارب على عضيات الشبكية أن الخلايا الزرقاء التي قد تظهر مبدئيًا في مركز الشبكية بين الأسبوع 10 و 12 من الحمل، تخضع لعملية تحول بحلول الأسبوع 14. لم تكن هذه الخلايا تهاجر، بل كانت تتحول ذاتيًا إلى خلايا حمراء وخضراء. تم تحديد أن “حمض الريتينويك”، وهو مركب مشتق من فيتامين “أ” ويتم تفكيكه في مركز الشبكية، يلعب دورًا رئيسيًا في منع التكوين المفرط للخلايا الزرقاء في هذه المنطقة. وبالمقابل، تتدخل هرمونات الغدة الدرقية لتحويل ما تبقى من الخلايا الزرقاء إلى خلايا حمراء وخضراء، والتي تُعد أكثر كفاءة للتركيز على التفاصيل الدقيقة المطلوبة للرؤية الواضحة.

هذا الاكتشاف يتناقض مع الفرضيات السابقة التي كانت تشير إلى هجرة الخلايا الزرقاء. ويوضح كيف أن التطور المبكر داخل الرحم يضع الأساس لرؤية بشرية عالية الدقة، حيث يتم تحسين تكوين الشبكية لخدمة الوظائف البصرية الأكثر أهمية.

يُعد فهم تفاصيل تكوين الشبكية خطوة مهمة نحو تطوير علاجات لأمراض العيون.

تطبيقات محتملة في علاج أمراض العيون

تفتح هذه النتائج الباب أمام تطوير استراتيجيات علاجية جديدة لمشاكل البصر وفقدان الرؤية. يعمل الباحثون حاليًا على تحسين نماذجهم العضوية لمحاكاة وظيفة شبكية العين البشرية بشكل أكثر دقة، مما سيسمح باختبار علاجات محتملة بشكل فعال.

وتشير كاتارزينا هاسي، التي شاركت في البحث، إلى أن هذه التطورات قد تُسهم في تحسين مستقبلات الضوء وفي تطوير علاجات خلوية لأمراض مزمنة مثل التنكس البقعي، وهو مرض يصيب الشبكية يؤدي إلى فقدان البصر المركزي، ولا يوجد له حاليًا علاج شافي. إن فهم الآليات الأساسية التي تتحكم في تطور خلايا الشبكية هو المفتاح لإيجاد حلول دائمة لهذه الحالات.

من المتوقع أن تستمر الأبحاث في استكشاف العوامل الجينية والجزيئية الأخرى التي تلعب دورًا في دقة الرؤية وتطور الشبكية. كما أن تطوير تقنيات العضيات سيُتيح للعلماء محاكاة البيئات البيولوجية المعقدة بدقة أكبر، مما يُسرع وتيرة الاكتشافات وتطوير العلاجات.

إن التطورات في مجال فهم بيولوجيا العين، وخاصة استجاباتها لفيتامين “أ” وهرمونات الغدة الدرقية، تحمل آمالًا كبيرة للمرضى الذين يعانون من أمراض القرنية والبصر. ويُعد التركيز على تحسين قدرة الشبكية على التركيز على التفاصيل الدقيقة، من خلال استهداف الآليات التي تمنع وجود الخلايا المخروطية الزرقاء في “الفوفيولا”، هدفًا بحثيًا واعدًا.

ما الخطوة التالية؟

تخطط فرق البحث إلى توسيع نطاق دراساتهم باستخدام عضيات شبكية أكثر تعقيدًا، بهدف فهم الاستجابات الخلوية لمجموعة أوسع من المحفزات البيئية والجزيئية. كما سيستمرون في استكشاف إمكانية توليد خلايا شبكية وظيفية لاستخدامها في علاجات بديلة، مع التركيز بشكل خاص على استعادة الرؤية في حالات الأمراض التنكسية. تظل التحديات المتعلقة بتحويل هذه الاكتشافات إلى علاجات سريرية قابلة للتطبيق على نطاق واسع قائمة، خاصة فيما يتعلق بأمان وفعالية التدخلات العلاجية.

شاركها.
Exit mobile version