لطالما سعت عقول العلماء إلى تحديد موقع محدد للذكاء البشري في الدماغ، وهو افتراض يبدو منطقياً للوهلة الأولى. لكن أحدث الدراسات العلمية تشير إلى أن الذكاء لا يقتصر على منطقة معينة، بل هو نتاج شبكة دماغية شاملة وديناميكية. فقد نشرت دورية “نيتشر كوميونيكيشنز” العلمية دراسة حديثة من جامعة نوتردام، تقدم أدلة على أن الذكاء البشري يعتمد على هيكل الدماغ بأكمله ووظائفه المتكاملة.
الذكاء البشري: شبكة متكاملة بدلاً من موقع محدد
وفقاً للأبحاث السابقة، كان يُعتقد أن الذكاء البشري يكمن في منطقة محددة داخل الدماغ، مثل الفص الجبهي المسؤول عن التخطيط واتخاذ القرار، أو قد يعتمد على كفاءة شبكة صغيرة من المناطق المتخصصة. إلا أن هذه النظرة بدأت تتغير مع التقدم العلمي. تشير الدراسة الحديثة، بقيادة باحثين من جامعة نوتردام، إلى أن الذكاء لا يحتكره موقع بعينه، بل هو نتاج بنية دماغية شاملة وديناميكية.
صرح رامزي ويلكوكس، الباحث الرئيسي في الدراسة من مختبر علم أعصاب القرار بجامعة نوتردام، بأن هذا المنظور الجديد يشجع على اعتبار الدماغ كنظام واحد مترابط وديناميكي، بدلاً من كونه مجموعة من الأجزاء المنعزلة. وبدلاً من تجزئة الدماغ، يركز هذا النهج على فهم كيفية تنظيم النظام وعمله ككل.
تشبه الدراسة قدرة الدماغ على إنتاج نطاق واسع من السلوكيات بالرسام الذي يبتكر لوحات متعددة باستخدام مجموعة محدودة من الألوان. فلفهم إبداع الرسام، لا يكفي تحليل الألوان، بل يجب فهم تقنياته في المزج والتنظيم. وبالمثل، فإن فهم الذكاء يتطلب فهم كيفية عمل الدماغ كشبكة متكاملة.
للتوصل إلى هذه النتائج، حللت الدراسة بيانات 831 مشاركاً من مشروع خريطة الوصلات العصبية البشرية. ولأول مرة، دمج الباحثون بين البنية التشريحية للدماغ (الوصلات البيولوجية) ووظيفة تلك الوصلات (سريان الإشارات والنشاط). وقد عززت هذه النتائج نظرية علم أعصاب الشبكات، التي تقترح أن الذكاء العام ينبثق من التناغم والتنسيق بين مختلف أنحاء الدماغ، وليس من كفاءة منطقة معزولة.
الأهمية المفارقة للروابط الضعيفة في الدماغ
عند مواجهة مشكلات جديدة، نحتاج إلى تعميم المعرفة السابقة أو دمج معلومات جديدة. تكشف الدراسة عن مفارقة مثيرة للاهتمام: أن الذكاء لا يعتمد فقط على الروابط القوية، بل يعتمد بشكل حاسم على الروابط الضعيفة من حيث الكثافة الهيكلية وطول المدى. فالروابط القوية تعكس الخبرات السابقة وتسمح باستخدام المعرفة المألوفة بسرعة، لكنها قد تضفي جموداً على الاستجابات.
على النقيض من ذلك، تسمح الروابط الضعيفة بتعديل السلوك وتتيح المرونة والقدرة على التكيف. ورغم أن الإشارة عبر هذه الروابط قد تكون خافتة، إلا أنها تدعم التواصل بين الشبكات الدماغية، مما يسمح بتغيير النشاط المعتاد ويساهم في سلوكيات أكثر مرونة وابتكاراً.

تُظهر نتائج الدراسة أن الروابط الضعيفة بعيدة المدى تدعم التواصل بين الشبكات الدماغية، مما يعزز القدرة على الابتكار. هذا يعني أن القدرة على تغيير النشاط المعتاد داخل الشبكات، من خلال الروابط الضعيفة، تساهم في مرونة الفرد وقدرته على التكيف.
هيكل “العالم الصغير” في الذكاء البشري
يُعد مفهوم “طوبولوجيا العالم الصغير” مفتاحاً لفهم بنية أدمغة الأفراد ذوي الذكاء العالي. هذا المفهوم يصف شبكة تتكون من تجمعات محلية قوية التخصص (مثل القرى داخل دولة) وشبكة مواصلات عالمية تربط هذه المناطق المتباعدة بفعالية عبر أقصر الطرق الممكنة (مثل الطرق الرئيسية بين المدن).
في الدماغ، تعكس التجمعات المحلية المتخصصة المناطق التي تعالج وظائف محددة بكفاءة (مثل معالجة الصور أو الأصوات). أما شبكة المواصلات العالمية، فتسمح بالتكامل والتواصل بين هذه المناطق المختلفة. هذا التصميم يوازن بين الحاجة إلى التخصص المحلي والتواصل الشامل، مما يُمكّن الدماغ من معالجة المهام الروتينية بسرعة، واستدعاء الموارد من كافة أنحاء الدماغ عند التعامل مع المشكلات المعقدة التي تتطلب تفكيراً عميقاً وربطاً بين مجالات مختلفة.
“يسمح التواصل بين مناطق الدماغ عبر القشرة الدماغية بأكملها للعمليات المتخصصة المختلفة بالتأثير على بعضها البعض، ما يُمكّن الدماغ من العمل بطرق قد لا يتصرف بها عادةً”، حسبما يوضح ويلكوكس. “وبذلك، نستطيع حل المشكلات المألوفة بكفاءة، والتكيف مع المشكلات الجديدة بطرق قد لا نتوقعها للوصول إلى حل”.
تطبيقات مستقبلية في الذكاء الاصطناعي
هذا المنظور الشبكي الجديد لا يلغي الاكتشافات السابقة، بل يوسع فهمنا للذكاء البشري. فبدلاً من التركيز فقط على مناطق الدماغ الرئيسية، أصبح من الضروري فهم كيفية تعاون الفريق بأكمله. يأمل الباحثون في أن تساهم دراسة هذه الخصائص التنظيمية في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة مستوحاة من علم الأعصاب الشبكي.
تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية غالباً على قوة المعالجة والبيانات الضخمة (أي ما يعادل الوصلات القوية). لكن محاكاة العقل البشري الحقيقي قد تتطلب بناء شبكات تتبنى مبادئ “العالم الصغير” والمرونة التي توفرها الروابط الضعيفة. هذا ما قد يمكّن الذكاء الاصطناعي من الابتكار في مواجهة المجهول، بدلاً من مجرد الحساب السريع لمعطيات معروفة. ما يتطلبه الأمر مستقبلاً هو استكشاف أعمق لكيفية تأثير الروابط العصبية الضعيفة على القدرات الإدراكية، وكيف يمكن محاكاة هذه البنية في أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحقيق مستويات أعلى من الإبداع والتكيف.

