كشفت دراسة حديثة أن فضلات الطيور البحرية، المعروفة باسم “الغوانو”، لعبت دورًا مهمًا في ازدهار إحدى أبرز الحضارات القديمة في ساحل بيرو قبل ظهور إمبراطورية الإنكا. وتشير النتائج، التي نُشرت في 11 فبراير/شباط 2026 في مجلة “بلوس وان” (PLOS One)، إلى أن هذا السماد الطبيعي الغني بالمواد المغذية لم يكن مجرد وسيلة لتحسين الزراعة، بل ربما ساهم في تشكيل القوة الاقتصادية والسياسية لمملكة تشينتشا، إحدى أقوى المجتمعات الساحلية في أميركا الجنوبية القديمة.
اعتمدت الدراسة على تحليل كيميائي لبقايا نباتية ومواد أثرية من وادي تشينتشا، حيث عاش مجتمع يقدر عدد أفراده بنحو 100 ألف شخص. ويرى الباحثون أن الاستخدام المنظم لفضلات الطيور البحرية كسماد زراعي ساعد على زيادة إنتاج الذرة بشكل كبير، وهو محصول أساسي في ثقافات أميركا القديمة.
سماد طبيعي غير موازين القوة
يقول الباحث الرئيسي في الدراسة، جاكوب بونغرز، وهو أستاذ علم الآثار بجامعة سيدني، إن هذه المادة التي قد تبدو بسيطة لعبت دورًا أكبر بكثير مما كان يعتقد سابقًا. فالغوانو غني بالنيتروجين والعناصر الغذائية بسبب تغذية الطيور البحرية على الأسماك، مما يجعله سمادًا شديد الفعالية، خاصة في المناطق الجافة.
يشير بونغرز، في تصريحات، إلى أن زيادة إنتاج الذرة لم تعزز الأمن الغذائي فقط، بل وفرت فائضًا زراعيًا ساعد على نمو التجارة وازدهار الاقتصاد وارتفاع عدد السكان. هذا الأمر مكن مملكة تشينتشا من توسيع نفوذها الإقليمي وبناء علاقات استراتيجية مع إمبراطورية الإنكا لاحقًا.
اعتمد الباحثون على تحليل كيميائي لـ35 عينة من الذرة عُثر عليها في مقابر أثرية بالمنطقة. كشف التحليل عن مستويات مرتفعة جدًا من النيتروجين، أعلى بكثير من تلك الموجودة طبيعيًا في التربة المحلية، مما يشير بقوة إلى استخدام سماد الغوانو. يعتقد الباحثون أن هذه الفضلات كانت تُجمع من جزر تشينتشا القريبة في المحيط الهادئ، وهي جزر معروفة منذ القدم بتراكم كميات ضخمة من فضلات الطيور.
تشير سجلات تاريخية لاحقة إلى أن سكان الساحل كانوا يبحرون إلى تلك الجزر على طوافات لجمع السماد ونقله إلى الحقول الزراعية. ويتعلق دور الغوانو في هذه الحضارات بالاستدامة الزراعية للمجتمعات الساحلية.

أثر ثقافي يتجاوز الزراعة
يشير بونغرز إلى أن الأدلة لم تقتصر على التحليل الكيميائي فقط، بل درس الباحثون أيضًا الرسوم والنقوش والقطع الفنية القديمة التي تظهر الطيور والأسماك ونبات الذرة معًا على المنسوجات والفخار والجدران. يرى الفريق أن هذا الترابط في الصور يعكس إدراك السكان للعلاقة بين البيئة البحرية والزراعة، وربما تقديسهم لهذه الصلة الحيوية.
توضح هذه النتائج أن الغوانو لم يكن مجرد مورد اقتصادي، بل كان عنصرًا ثقافيًا مهمًا. يبدو أن المجتمعات القديمة احتفت به وحمت مصادره وربما أدخلته في طقوس رمزية. إذ يلفت الباحثون إلى أن سواحل بيرو من أكثر المناطق جفافًا في العالم، مما يجعل الزراعة تحديًا كبيرًا. لذلك، كان نقل سماد الغوانو من الجزر البحرية مهمًا للغاية لتغذية الأراضي الزراعية وتوفير مصدر متجدد للخصوبة، مما سمح بزراعة الذرة بكميات كبيرة رغم الظروف القاسية.
ساعد هذا الفائض الزراعي على ظهور فئات متخصصة مثل التجار والصيادين والمزارعين، وأسهم في تحول مجتمع تشينتشا إلى قوة تجارية بحرية بارزة على طول الساحل، حسب الدراسة.
كما تشير الدراسة إلى أن الغوانو ربما لعب دورًا في العلاقات السياسية بين تشينتشا وإمبراطورية الإنكا التي عاش أفرادها في المرتفعات الجبلية. وكانوا يعتمدون على الذرة في طقوسهم وصناعة مشروب تقليدي مخمر يعرف باسم “تشيتشا”. بما أن الإنكا لم يكونوا بحارة مهرة، فإن الوصول إلى جزر الغوانو كان ميزة استراتيجية لمملكة تشينتشا، مما قد يفسر طبيعة العلاقة التعاونية بين الطرفين. إن فهم استراتيجيات الاستدامة القديمة يعطينا رؤى قيمة.
تشير الأبحاث المستقبلية إلى الحاجة لمزيد من التحليل للكشف عن مدى انتشار استخدام الغوانو في حضارات أخرى في أميركا الجنوبية، وكيف تطورت أنظمة جمع ونقل هذا المورد الثمين عبر الزمن.

